تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
ستين سنة إن ينقص من عمره عشرون سنة ومهما نام ثمان ساعات وهو الثلث فقد نقص من عمره الثلث ولكن لما كان النوم غذاء الروح كما أن الطعام غذاء الأبدان وكما أن العلم والذكر غذاء القلب لم يمكن قطعه عنه وقدر الاعتدال هذا والنقصان منه ربما يفضي إلى اضطراب البدن إلّا من يتعود السهر تدريجا فقد يمرن نفسه عليه من غير اضطراب وهذا الورد من أطول الأوراد وأمتعها للعباد وهو أحد الآصال التي ذكرها اللّه تعالى إذ
شرح
( فحسب ابن آدم إن عاش ستين سنة أن ينقص من عمره عشرون سنة ) فيبقى الثلثان وينقص الثلث ، وبحساب ما ذكرنا ينقص في كل شهر يوم ونصف تقريبا وفي كل سنة ثمانية عشر يوما ، ( ومهما نام ثمان ساعات وهو الثلث ) من أربع وعشرين ( فقد نقص من عمره ) النفيس ( ثلث ، ولكن لما كان النوم غذاء للروح ) وراحته ( كما أن الطعام غذاء الأبدان ) وقوتها . قال اللّه تعالى :وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً[ النبأ : 9 ] أي راحة للبدن فإذا ارتاح البدن خف الروح ونشط ، ( وكما أن العلم والذكر غذاء القلب لم يمكن قطعه عنه ) لكمال حاجته إليه ، ( وقدر الإعتدال هذا ) الذي ذكرناه ( والنقصان منه ربما يفضي إلى اضطراب البدن ) ولفظ القوت ومن الناس من قال إنه إن نقص شيئا من نوم هذا المقدار في اليوم والليلة اضطرب بدنه ( إلا من يتعود السهر ) أي يتخذه عادة له ( تدريجا فقد تتمرن نفسه عليه من غير اضطراب ) ، فإن العادة قد تعمل عمل الطبع وتنقل عن العرف ولا يقاس عليها . وقال صاحب العوارف : والنعاس قسم صالح من الأقسام العاجلة للمريدين ، وهو أمنة لقلوبهم من منازعات النفس لأن النفس بالنوم تستريح ولا تشكو الكلال إذ في شكايتها تكدير واستراحتها بالنوم شرط العلم ، والإعتدال راحة القلب لما بين القلب والنفس من المواطأة عند طمأنينتها للمريدين السالكين ، فقد قيل : ينبغي أن يكون ثلث النهار والليل نوما حتى لا يضطرب الجسد ، فيكون ثمان ساعات للنوم ساعتان من ذلك يجعلهما بالنهار وست ساعات بالليل ، ويزيد في أحدهما وينقص من الآخر على قدر طول الليل وقصره في الشتاء والصيف ، وقد يكون بحسن الإرادة . وصدق الطلب ينقص النوم عن قدر الثلث ولا يضر ذلك إذا كان بالتدريج ، وقد يحمل ثقل السهر وقلة النوم وجود الراحة والأنس ، فإن النوم طبعه بارد رطب ينفع الجسد والدماغ ويسكن من الحرارة واليبس الحادث في المزاج ، فإن نقص من الثلث يضر بالدماغ ويخشى منه اضطراب الجسم ، فإذا نام عن النوم روح القلب وآنسه لا يضر نقصانه ، لأن طبيعة الروح والأنس بارد رطب كطبيعة النوم ، وقد يقصر مدة طول الليل وجود الروح تقصير بالروح لأوقات الليل الطويلة كالقصيرة كما يقال سنة الوصل سنة وسنة الهجر سنة فيقصر لأصل الروح ، واللّه أعلم . ( وهذا الورد من أطول الأوراد ) لطول مدته ( وأمتعها ) أي أكثرها متاعا ( للعباد ) أي العابدين الذاكرين ، وهو يضاهي الورد الثالث في الطول ، ( وهو ) أصيل النهار ، و ( أحد الآصال التي ذكرها اللّه تعالى ) فيه سجود كل شيء وقربه بالغدو . ( إذ قال :وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي