شرح
قلت : وحديث سهل بن سعد الذي أورده في المعجم الكبير قد رواه أيضا أبو يعلى والعقيلي كلهم من ابن عمر وسهل بن سعد معا ، وللحديث بقية بعد قوله وظلمة : « فما من نفس تسمع شيئا من حسن تلك الحجب إلا زهقت » .
وقال المصنف في الفصل الثالث من مشكاة الأنوار : اعلم أن اللّه عز وجل متجل في ذاته بذاته لذاته ويكون الحجاب في الإضافة إلى محجوب لا محالة وأن المحجوبين من الخلق ثلاث أقسام : منهم من يحجب بمجرد الظلمة ، ومنهم من يحجب بالنور المحض ، ومنهم من يحجب بنور مقرون بظلمة وأصناف هذه الأقسام كثيرة لا تحصى وذكر العدد في الحديث المذكور للتكثير لا للتحديد ، وقد تجري العادة بذكر أعداد لا يراد بها الحصر واللّه أعلم بذلك .
ثم ذكر القسمين وما فيهما من الأقسام والأصناف والفرق والطوائف ، والقسم الثالث هم المحجوبون بمحض الأنوار أصناف لا يحصون ، لكن أشير إلى ثلاثة أصناف منهم .
الأول : طائفة عرفت معاني الصفات تحقيقا ، وأدركوا أن إطلاق اسم الكلام والإرادة والقدرة والعلم وغيرها ليس كإطلاقها على البشر فتحاشوا عن تعريفه بهذه الصفات ، وعرفوه بالإضافة إلى المخلوقات .
الثاني : صنف ترقوا من هؤلاء من حيث ظهر لهم أن في السماوات أكثره وأن محرك كل سماء خاصة موجود آخر يسمى فلكا وفيهم كثرة ، وإنما نسبتهم الأنوار الإلهية نسبة الكواكب في الأنوار المحسوسة ، ثم لاح لهم أن هذه السماوات في ضمن فلك آخر يتحرك الجميع بحركته في اليوم والليلة مرة ، والرب هو المحرك للجرم الأقصى المنطوي على الأفلاك كلها . إذ الكثرة منفية عنه .
الثالث : صنف ترقوا من هؤلاء وقالوا : إن تحريك الأجسام بطريق المباشرة ينبغي أن يكون خدمة لرب العالمين وعبادة له وطاعة من عبد من عباده يسمى ملكا نسبته إلى الأنوار الإلهية المحضة نسبة القمر في الأنوار المحسوسة ، فزعموا أن الرب هو المطاع من جهة هذا المحرك ، ويكون الرب تعالى محركا بطريق الأمر لا بطريق المباشرة فهؤلاء أصناف كلهم محجوبون بالأنوار المحضة .
وإنما الواصلون : صنف رابع تجلى لهم أيضا أن هذا المطاع موصوف بصفة لا تنافي الوحدانية المحضة والكمال البالغ ، وأن نسبة هذا المطاع إلى الموجودات الحسية نسبة الشمس في الأنوار المحسوسة منه ، فتوجهوا من الذي يحرك السماوات ، ومن الذي أمر بتحريكها إلى الذي فطر السماوات وفطر الآمر بتحريكها ، فوصلوا إلى موجود منزه عن كل ما أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم . إذ وجوده من قبله فأحرقت سبحات وجه الأول الأعلى جميع ما أدركه الناظرون وبصيرتهم إذ وجوده مقدسا منزها عن جميع ما وصفناه مما قبل ، ثم هؤلاء انقسموا فمنهم من