الفن الثاني : فيما ينفعه في علم المكاشفة ، وذلك بأن يتفكر مرة في نعم اللّه تعالى وتواتر الآيات الظاهرة والباطنة لتزيد معرفته بها ويكثر شكره عليها أو في عقوباته ونقماته لتزيد معرفته بقدرة الإله واستغنائه ويزيد خوفه منها ، ولكل واحد من هذه الأمور شعب كثيرة يتسع التفكر فيها على بعض الخلق دون البعض ، وإنما نستقصي ذلك في كتاب التفكر . ومهما تيسر الفكر فهو أشرف العبادات إذ فيه معنى الذكر للّه تعالى وزيادة أمرين ، أحدهما : زيادة المعرفة إذ الفكر مفتاح المعرفة والكشف ، والثاني : زيادة المحبة إذ لا يحب القلب إلا من اعتقد تعظيمه ولا تنكشف عظمة اللّه سبحانه وجلاله إلا بمعرفة صفاته ومعرفة قدرته وعجائب أفعاله ، فيحصل من الفكر المعرفة ومن المعرفة التعظيم ومن التعظيم المحبة ، والذكر أيضا يورث الانس وهو نوع من المحبة ولكن المحبة
شرح
( والفن الثاني : فيما ينفعه في علم المكاشفة وذلك بأن يتفكر ) في حكم اللّه عز وجل في الملك وقدرته في الملكوت ( مرة في نعم اللّه عز وجل وتواتر الآيات الظاهرة والباطنة لتزيد معرفته بها ويكثر شكره عليها ، أو ) يتفكر ( في عقوباته ونقماته ) وبلاءاته الظاهرة والباطنة ( لتزيد معرفته بقدرة اللّه عز وجل واستغناؤه ويزيد خوفه منه ) ومن ذلك قوله عز وجلوَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ[ إبراهيم : 5 ] قيل : بنعمه ، وقيل بعقوباته . وقال تعالىفَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ الأعراف : 69 ] أي نعمه ( ولكل واحد من هذه الأمور شعب كثيرة يتسع التفكر فيها على بعض الخلق دون البعض ، وإنما يستقصى ذلك ) على سبيل التفصيل ( في كتاب التفكر ) إن شاء اللّه تعالى ، ( ومهما تيسر التفكر ) للذاكر ( فهو أشرف العبادات ) ولذا جاء في الخبر : تفكر ساعة خير من عبادة سنة ، والمراد به هو الذي ينقل من المكاره إلى المحاب ، ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة . وقيل : هو التفكر الذي يظهر مشاهدة وتقوى ويحدث ذكرا وهدى كقوله تعالى :لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً[ طه :
113 ] وقد وصف أعداءه بضد ذلك فقال :كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي[ الكهف :
101 ] وإنما كان التفكر أشرف العبادات . ( إذ فيه معنى الذكر للّه عز وجل وزيادة أمرين :
أحدهما : زيادة المعرفة ) بالمذكور ( إذ التفكر مفتاح المعرفة والكشف ) لأنه إدارة فكر وتصرف قلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب ، فالفكر يد النفس التي تنال بها المعلومات كما تنال بيد الجسم المحسوسات ، وبهذه التصرف القلبي يتدرج إلى فتوح باب المعرفة والكشف الإلهي ، ( الثاني : زيادة المحبة ) للمذكور ( إذ لا يحب القلب إلا من اعتقد تعظيمه ) في نفسه ، ( ولا تنكشف عظمة اللّه سبحانه وجلاله ) وهيبته ( إلا بمعرفة صفاته ) العلا ( ومعرفة قدرته ) الباهرة ( وعجائب أفعاله ) في خلقه ، ( فيحصل من الفكر المعرفة ) كما قدمنا ( و ) يحصل ( من المعرفة التعظيم ، و ) يحصل ( من التعظيم المحبة ) فالمحبة متوقفة على التعظيم ، كما أن التعظيم متوقف على المعرفة ، وحصول المعرفة متوقف على التفكر ، فالتفكر أصل