تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
التي سببها المعرفة أقوى وأثبت وأعظم ، ونسبة محبة العارف إلى أنس الذاكر من غير تمام الاستبصار كنسبة عشق من شاهد جمال شخص بالعين واطلع على حسن أخلاقه وأفعاله وفضائله وخصاله الحميدة بالتجربة إلى أنس من كرر على سمعه وصف شخص غائب عن عينه بالحسن في الخلق ، والخلق مطلقا من غير تفصيل وجوه الحسن فيهما فليس محبته له كمحبة المشاهد وليس الخبر كالمعاينة ، فالعباد المواظبون على ذكر اللّه بالقلب واللسان الذين يصدقون بما جاءت به الرسل بالإيمان التقليدي ليس معهم من محاسن صفات اللّه تعالى إلا أمور جملية اعتقدوها بتصديق من وصفها لهم والعارفون هم الذين شاهدوا ذلك الجلال والجمال بعين البصيرة الباطنة التي هي أقوى من البصر الظاهر لأن أحدا لم
شرح
هذه العبادات وما ينشأ عنها . ( والذكر أيضا يورث الأنس ) بالمذكور ( وهو نوع من المحبة ) بل سبب من أسبابها ، ( ولكن المحبة التي سببها المعرفة ) بما يحبه ( أقوى وأثبت وأعظم ) فإن الإنس قد يزول ويقصر بخلاف المعرفة . ( ونسبة محبة العارف ) بأوصاف المحبوب ( إلى أنس الذاكر من غير تمام الإستبصار ) بنور العرفان ( نسبة عشق من شاهد جمال شخص بالعين ) أي بعين نفسه والعشق الإفراط في المحبة ، ( وأطلع على حسن أخلاقه وأفعاله وفضائله وخصاله الحميدة ) إطلاعا حقيقيا ( بالتجربة ) والملازمة ( إلى أنس من كرر على سمعه وصف شخص غائب عن عينه بالحسن في الخلق ) الظاهر ( والخلق ) الباطن ( مطلقا من غير تفصيل وجوه الحسن فيهما ) أي في الخلق والخلق ، ( فليس محبته كمحبة المشاهدة ) بالعين وهذا ظاهر ، ( وليس الخبر كالمعاينة ) وقد روي ذلك مرفوعا عن ابن عباس رواه العسكري في الأمثال والخطيب . وعن أبي هريرة رواه الخطيب ، وعن أنس رواه الطبراني في الأوسط ، والخطيب والديلمي . ورواه أحمد والضياء بزيادة في آخره ، ويروى : « ليس المعاين كالمخبر » كذلك رواه ابن خزيمة والطبراني والضياء عن ثمامة بن عبد اللّه بن أنس عن جده . ( والعباد المواظبون على ذكر اللّه عز وجل بالقلب واللسان الذين صدقوا بما جاءت به الرسل ) عليهم السلام ( بالإيمان التقليدي ) صرفا ( ليس معهم من محاسن صفات اللّه عز وجل إلا أمور جملية ) بضم الجيم وسكون الميم أي إجمالية ( اعتقدوها بتصديق من وصفها لهم ) ولم يجاوزوا ذلك ، ( والعارفون المختصون بمعرفة اللّه ومعرفة ) ملكوته وحسن معاملته ( هم الذين شاهدوا ذلك الجلال ) أي احتجاب الحق عنا بعزته ( والجمال ) أي تجليه لنا برحمته ( بعين البصيرة الباطنة التي هي أقوى من البصر الظاهر ) . أعلم أن البصيرة كما تقدم قوة للقلب المنور بنور اليقين ترى حقائق الأشياء وظاهرها ، وإنما كانت أقوى لأن نور البصر موسوم بأنواع من النقصان فإنه يبصر غيره ولا يبصر نفسه ولا يبصر ما بعد منه ولا ما قرب ولا يبصر ما هو وراء حجاب ، ويبصر من الأشياء ظاهرها دون باطنها ،