تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
الرتب تفاوت الشمس والقمر والكواكب . ويبدو في الأوّل أصغرها ثم ما يليه وعليه أول
شرح
أحرق منه جميع ما أدركه بصره وانمحق وتلاشى لكن بقي هو ملاحظا للجمال والقدس وملاحظا ذاته في جماله الذي ناله بالوصول إلى الحضرة الإلهية وانمحقت منه المبصرات دون المبصر ، وجاوز هؤلاء طائفة منهم خواص الخواص فأحرقتهم سبحات وجهه وغشيهم سلطان الجلال وتلاشوا في ذاته ، ولم يبق لهم لحاظ في أنفسهم بفنائهم عن أنفسهم ، ولم يبق إلا الواحد الحق . فهذه نهاية الواصلين . ومنهم من لم يندرج في الترقي والعروج على التفصيل الذي ذكرناه ولم يطل عليه العروج فسبقوا من أول وهلة إلى معرفة القدس وتنزيه الربوبية عن كل ما يجب تنزيهه عنهم ، فغلب عليهم أولا ما غلب على الآخرين آخرا ، وهجم عليهم التجلي دفعة فأحرقت سبحات وجهه جميع ما يمكن أن يدركه بصرحي أو بصيرة عقلية ، واللّه أعلم . ( وتلك الحجب أيضا مترتبة ، وتلك الأنوار متفاوتة في الرتب تفاوت الشمس والقمر والكواكب ) . أعلم أن الأشياء بالإضافة إلى الحس البصري ثلاثة أقسام : منها ما لا يبصر بنفسه كالأجسام المظلمة ، ومنها ما يبصر بنفسه ولا يبصر به غيره كالأجسام المضيئة مثل الكوكب وجهة النار إذا لم تكن مشعلة ومنها ما يبصر بنفسه ويبصر به أيضا غيره كالشمس والقمر والنيران المشعلة كالسراج والنور اسم لهذا القسم الثالث . ثم تارة ينطلق على ما يفيض من هذه الأجسام المنيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة ، وتارة يطلق على نفس هذه الأجسام المشرقة أيضا لأنها في أنفسها مستنيرة وعلى الجملة ، فالنور عبارة عما يبصر في نفسه ويبصر به غيره كالشمس هذا حده وحقيقته بالوضع الأول ثم أن العقول وإن كانت مبصرة فليست المبصرات كلها عندها على مرتبة واحدة ، بل بعضها يكون عندها كأنها حاضرة كالعلوم الضرورية . ومنها ما لا يقارن العقل في كل حال إذا عرض عليه بل يحتاج لأن ينبه عليه بالتنبيه والأنوار السماوية التي منها تقتبس الأنوار الأرضية إن كان لها أن تترتب بحيث يقتبس بعضها من بعض ، فالأقرب من المنبع الأول أولى باسم النور لأنه أعلى رتبة . ومثال ترتيبه في عالم الشهادة لا يدركه الإنسان إلا بأن يفرض ضوء القمر داخلا في كوة بيت واقعا على مرآة منصوبة على حائط ومنعكس منها إلى حائط آخر في مقابلتها ثم منعطفا منها إلى الأرض ، فحيث تستنير منه الأرض فأنت تعلم أن ما على الأرض من النور تابع لما على الحائط ، وما على الحائط تابع لما على المرآة ، وما على المرآة تابع للقمر ، وما في القمر تابع لما في الشمس . إذ منها يشرق النور على القمر . وهذه الأنوار الأربعة مرتبة بعضها أعلى من بعض وأكمل من بعض ، ولكل واحد درجة خاصة لا يتعداه . وكذلك الأنوار الملكوتية على هذا الترتيب وأن المقرب هو الأقرب إلى النور ، وإذا عرفت أن الأنوار لها ترتيب فاعلم أنها لا تتسلسل إلى غير نهاية ، بل ترتقي إلى منبع أول هو النور لذاته وبذاته ليس يأتيه نور من غيره منه تشرق الأنوار كلها على ترتيبها فهذا معنى قول المصنف : وتلك الأنوار متفاوتة في الرتب تفاوت الشمس والقمر والكوكب .