تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
يحط بكنه جلاله وجماله ، فإن ذلك غير مقدور لأحد من الخلق ولكن كل واحد شاهد بقدر ما رفع له من الحجاب ولا نهاية لجمال حضرة الربوبية ولا لحجبها وإنما عدد حجبها التي استحقت أن تسمى نورا وكاد يظن الواصل إليها أنه قد تم وصوله إلى الأصل سبعون حجابا . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن للّه سبعين حجابا من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره » . وتلك الحجب أيضا مترتبة . وتلك الأنوار متفاوتة في
شرح
ويبصر من الموجودات بعضها دون كلها ويبصر أشياء متناهية ، ولا يبصر ما لا نهاية له ويغلط كثيرا في أبصاره ، فيرى الكبير صغيرا ويرى البعيد والساكن متحركا والمتحرك ساكنا . فهذه سبع نقائص لا تفارق العين الظاهرة ، ولكل من هذه تفاصيل أوردها المصنف في مشكاة الأنوار ، وأنواع غلط البصر كثيرة والبصيرة منزهة عنها . فإن قلت : نرى أصحاب البصائر يغلطون كثيرا في نظرهم . فاعلم أن فيهم خيالات وأوهاما واعتقادات يظنون أن أحكامها أحكام العقل ، فالغلط منسوب إليها . فأما العقل إذا تجرد عن غشاوة الوهم والخيال لم يتصور أن يغلط بل يرى الأشياء على ما هي عليه ( لا لأن أحدا أحاط بكنه جلاله وجماله فإن ذلك غير مقدور لأحد من الخلق ) إذ نهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة ، ومعرفتهم بالحقيقة هي أنهم لا يعرفونه ، وأنه يستحيل أن يعرف اللّه المعرفة الحقيقة المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا اللّه تعالى ، وهو المشار إليه في الخبر : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » أي لا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك ، وإنما أنت المحيط بها وحدك فلا يتجرأ أحد من الخلق لنيل ذلك وإدراكه إلا ردته سبحات الجلال إلى الحيرة ، ولا يشرئب أحد لملاحظته إلا غطى الدهش طرفه . وأما اتساع المعرفة إنما يكون في معرفة أسمائه وصفاته وإليه أشار المصنف بقوله : ( ولكن كل واحد شاهد بقدر ما رفع له من الحجاب ولا نهاية لجمال حضرة الربوبية ولا لحجبها ، وإنما عدد حجبها التي استحقت أن تسمى نورا وكاد يظن الواصل إليها أنه قد تم وصوله إلى الأصل سبعون ) حجابا . ( قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن للّه سبعين حجابا من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدرك بصره » ) وتقدم للمصنف في قواعد العقائد بلفظ : « ما أدركه بصره » . وروى أبو الشيخ في كتاب العظمة من حديث أبي هريرة : « بين اللّه وبين الملائكة الذين حول العرش سبعون حجابا من نور » وسنده ضعيف ، وفيه أيضا من حديث أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لجبريل : « هل ترى ربك ؟ قال إن بيني وبينه لسبعين حجابا من نور » وفي المعجم الكبير للطبراني من حديث سهل بن سعد : « دون اللّه تعالى سبعون ألف حجابا من نور وظلمة » . ولحديث أبي موسى : « حجابه لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » ولابن ماجة : « كل شيء أدركه بصره » قاله العراقي . وتقدم ذلك .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 431 | مرتضى الزبيدي