بعض الصوفية درجات ما كان يظهر لإبراهيم الخليل صلّى اللّه عليه وسلم في ترقيه ، وقال :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ
أي أظلم عليه الأمر
رَأى كَوْكَباً
[ الانعام : 76 ] أي وصل إلى حجاب من حجب النور فعبّر عنه بالكوكب . وما أريد هذه الأجسام المضيئة فإن آحاد العوام لا يخفى عليهم أن الربوبية لا تليق بالأجسام ، بل يدركون ذلك بأوائل نظرهم فما لا يضلل العوام لا يضلل الخليل عليه السلام ، والحجب المسماة أنوارا ما أريد بها الضوء المحسوس بالبصر بل أريد بها ما أريد بقوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ
شرح
( ويبدو في الأول أصغرها . ثم ما يليه وعلى ذلك أول بعض ) العارفين من ( الصوفية درجات ما كان يظهر لإبراهيم عليه السلام في ترقيه ) في أحوال وصوله ( وقال :فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُأي أظلم عليه الأمر ) أي اشتبه ( رأى كوكبا أي وصل إلى حجاب من حجب النور ) التي تقدم ذكرها آنفا ( فعبر عنه بالكوكب ) لأنه أصغر الثلاثة فهو الذي بدا له أولا ، وهذا هو مقامه الذي أشرنا إليه في الصنف الرابع من القسم الثالث . ( وما أريد به هذه الأجسام المضيئة ، فإن آحاد العوام لا يخفى عليهم أن الربوبية لا تليق بالأجسام ، بل يدركون ذلك بأول نظرهم ) فأول منازل الأنبياء الترقي إلى العالم المقدس عن كدورة الحس والخيال ( فما لا يضلل العوام لا يضلل الخليل عليه السلام ، والحجب المسماة أنوارا ) في الحديث المتقدم ( ما أريد بها الضوء المحسوس بالبصر بل أريد بها ما أريد بقوله تعالى :اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌالآية ) .
أعلم أن العالم الملكوتي عالم غيب ، والعالم الحسي عالم الشهادة وهو مرقاة للملكوتي ، وبينهما اتصال ومناسبة . ولولا ذلك لانسد طريق الترقي إلى حضرة الربوبية فلن يقرب من اللّه أحد ما لم يطأ بحبوحة حظيرة القدس والعالم المرتفع من إدراك الحس والخيال هو الذي يراد به عالم القدس ، ولما كان عالم الشهادة مرقى إلى عالم الملكوت ، وكان سلوك الطريق المستقيم عبارة عن هذا الترقي ، فلو لم يكن بينهما اتصال لما تصور الترقي من أحدهما إلى الآخر فجعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت ، فما من شيء من هذا العالم إلا وهو مثال شيء من ذلك العالم ، وربما كان الشيء الواحد مثالا لأشياء من الملكوت ، وربما كان للشيء الواحد من الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الشهادة وله أمثلة لا تحصى ، فإن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبر عنها بالملائكة تفيض الأنوار على الأرواح البشرية ولأجلها تسمى أربابا . ويكون لها مراتب في نورانيتها متفاوتة فبالحري أن يكون مثالها من عالم الشهادة الشمس والقمر والكوكب ، وسالك الطريق ينتهي أولا إلى ما درجته درجة الكوكب فيتضح له إشراق نوره ويتضح له من جماله وعلو درجته ما يبادر ، فيقول :هذا رَبِّيثم إذا اتضح له ما فوقه مما رتبته رتبة القمر رأى أقول الأول في مغرب الهوى بالإضافة إلى ما فوقه فقال :لا أُحِبُّ الْآفِلِينَوكذلك يترقى حتى ينتهي إلى ما مثله الشمس فيراه أكبر وأعلى فيراه قابلا للمثال بنوع مناسبة له معه والمناسبة مع ذي النقص نقص