تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
« أحب عباد اللّه إلى اللّه الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر اللّه تعالى » . وقد قال تعالى :
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
[ الرحمن : 5 ] وقال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
[ الفرقان : 45 ، 46 ] وقال تعالى :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ
[ يس : 39 ] وقال تعالى :
شرح
قال العراقي : رواه الطبراني والحاكم وقال : صحيح الإسناد من حديث ابن أبي أوفى بلفظ : « خيار عباد اللّه » الخ . قلت : روياه بلفظ : إن خيار عباد اللّه الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة لذكر اللّه » . وقال الهيثمي رجال الطبراني موثقون . وقال المنذري : رواه ابن شاهين وقال : انفرد به ابن عيينة عن مسعر وهو حديث غريب صحيح ، وأقر الذهبي الحاكم على تصحيحه . وقال البرهان في المراعاة : أمور ظاهرة وأمور باطنة . أما الظاهرة فالرؤية بحاسة البصر في الطلوع والتوسط والغروب والحركة ، فإذا تأمله المتأمل ذكر اللّه وسبحه ومجده بتحقيق سيما إذا أطلعه اللّه على أسرار نتائجها وأفعالها مما يدل على أحكام القدرة الأزلية في المصنوعات المترتبة على الإنسان اه . ( وقد قال تعالى :الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ) أي يجريان بحسبان معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما ، وتشتق بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات وتعلم السنون والحساب ، ( وقال عز وجل :أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ) أي ألم تنظر إلى صنعه( كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ )أي بسطه أو لم تنظر إلى الظل كيف مده ربك فغير النظم إشعارا بأن المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوث تصرفه على الوجه النافع بأسباب متمكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي ، فكيف بالمحسوس منه أو ألم ينته علمك إلى ربك كيف مد الظل فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال ، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر .( وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً )أي ثابتا من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا )فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوءها على بعض الأجرام أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها ،( ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا )أي أزلناه بإيقاع الشعاع موقعه( قَبْضاً يَسِيراً )قليلا قليلا حسبما ترتفع الشمس لتنتظم بذلك مصالح الكون ، ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق ، وثم في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها ، وقيل : مد الظل لما بنى السماء بلا نير ودحا الأرض تحتها فألقت عليها ظلها ، ولو شاء لجعله ثابتا على تلك الحال ، ثم خلق الشمس دليلا عليه مسلطا مستتبعا إياه كما يستتبع الدليل المدلول أو دليلا لطريق من يهديه فإنه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها ، ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا شيئا فشيئا إلى أن ينتهي غاية نقصانه أو قبضا سهلا عند قيام الساعة بقبض أسبابه من الأجرام المظلة والمظلل عليها ( وقال عز وجل :وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ) وهي ثمانية وعشرون منزلة يحل كل لبلة منزلة منها على ما تقدم بيانها في كتاب العلم . ( وقال
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 406 | مرتضى الزبيدي