تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
الميل إلى الدنيا لموافقتها الطبع إذ يكون الوقت متساويا ، فأنّى يتقاومان والطبع لأحدهما مرجح إذ الظاهر والباطن يتساعدان على أمور الدنيا ويصفو في طلبها القلب ويتجرد ، وأما الرد إلى العبادات فمتكلف ولا يسلم إخلاص القلب فيه وحضوره إلا في بعض الأوقات ، فمن أراد أن يدخل الجنة بغير حساب فليستغرق أوقاته في الطاعة ومن أراد أن تترجح كفة حسناته وتثقل موازين خيراته فليستوعب في الطاعة أكثر أوقاته ، فإن خلط عملا صالحا وآخر سيئا فأمره مخطر ، ولكن الرجاء غير منقطع والعفو من كرم اللّه منتظر ، فعسى اللّه تعالى أن يغفر له بجوده وكرمه فهذا ما انكشف للناظرين بنور البصيرة ، فإن لم تكن من أهله ، فانظر إلى خطاب اللّه تعالى لرسوله واقتبسه بنور الإيمان فقد قال اللّه تعالى لأقرب عباده إليه وأرفعهم درجة لديه :
إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
[ المزمل : 7 ] ، وقال تعالى :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً
شرح
الأمور المهمة منها ، ( وشهواتها المباحة مثلا ) وهي التي أباح له الشارع التصرف فيها ( و ) صرف ( الشطر الآخر إلى العبادات أرجح جانب الميل إلى الدنيا ) ولذاتها أي صار راجحا ( بموافقتها الطبع ) الذي جبلت هي عليه . ( إذ يكون الوقت متساويا ) هما شطران ( فأنّى يتقاومان ) وكيف يتعادلان ( والطبع لأحدهما مرجح ) ولا يثبت التقاوم إلا عند عدم المرجح ( إذ الظاهر والباطن ) كل منهما ( يساعد على ) تحصيل ( أمور الدنيا ) كيفما اتفق وأمكن ( ويصفو في طلبها القلب ) بميله وتقلبه ( ويتجرد ) وفي بعض النسخ : ويصفو في ذلك طلب القلب ويتجرد أي يهتم اهتماما كليا . ( وأما الرد إلى العبادات ) العملية والقولية ( فمتكلف ) أي يحصل فيه تكلف ومشقة ، ( ولا يسلم إخلاص القلب فيها ) وإمحاضه ( وحضوره ) بكليته ( إلا في بعض الأوقات ) على سبيل الندرة والقلة ، ( فمن أراد أن يدخل الجنة بغير حساب فليستغرق أوقاته ) كلها ( في الطاعة ) التي تقربه إلى اللّه زلفى ، ( ومن أراد أن تترجح كفة حسناته ) على كفة سيئاته . وللميزان كفتان توزن فيهما الأعمال ( وتثقل موازين خيراته ، فليستوعب في الطاعة أكثر أوقاته ) استيعابا وافيا ، ( فإن خلط عملا صالحا وآخر سيئا ) بحيث كانا متعادلين ( فأمره مخطر ) أي ذو خطر ، ( ولكن الرجاء ) من اللّه ( غير منقطع والعفو من كرم اللّه ) وعفوه ( منتظر ، فعسى اللّه تعالى أن يغفر له بجوده وكرمه ) ومنه وفضله كما هو شأن الكريم المتفضل الجواد ، ( فهذا ) الذي ذكر هو ( ما ينكشف للناظرين ) إلى الأشياء ( بنور البصيرة ) المنورة بنور القدس ، ( وإن لم تكن من أهله ) أي من أهل نور البصيرة . ( فانظر إلى خطاب اللّه عز وجل لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم واقتبسه بنور الإيمان ) ثم اعتبر به ، ( فقد قال تعالى لأقرب عباده إليه وأرفعهم درجة لديه ) بأنواع التخصيص والمواهب والتقريب ( إن لك في النهار سبحا طويلا ) أي تقلبا في مهامك واشتغالا بها فعليك بالتهجد ، فإن مناجاة الحق يستدعي فراغا وقرئ سبخا بالخاء المعجمة أي تفرق قلب بالشواغل مستعار