ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار والأفكار ، والنفس لما جبلت عليه من السآمة والملال لا تصبر على فن واحد من الأسباب المعينة على الذكر والفكر ، بل إذا ردت إلى نمط واحد أظهرت الملال والاستثقال وإن اللّه تعالى لا يمل حتى تملوا فمن ضرورة اللطف بها أن تروح بالتنقل من فن إلى فن ومن نوع إلى نوع بحسب كل وقت لتغزر بالانتقال لذتها وتعظم باللذة رغبتها وتدوم بدوام الرغبة مواظبتها . فلذلك تقسم الأوراد قسمة مختلفة . فالذكر والفكر ينبغي أن يستغرقا جميع الأوقات أو أكثرها ، فإن النفس بطبعها مائلة إلى ملاذ الدنيا فإن صرف العبد شطر أوقاته إلى تدبيرات الدنيا وشهواتها المباحة مثلا والشطر الآخر إلى العبادات رجح جانب
شرح
ذلك حدود معلومة ، فيكفيك من الغذاء ما تهرم بتركه القوى ، ومن الحلائل الولود الودود ، ومن الملبس ما لا يسفهك به العاقل ولا يزدريك به الغافل ، ومن المسكن ما واراك عمن لا تريد أن يراك ، ومن الخدم الأمين المطيع ، ومن المركب ما حمل رحلك وأزاح رجلك ولا يزدرى بركوبه مثلك ، فالتجرد عن العلائق شرط في الوصول إلى معرفة الحق أنظر إلى المرآة تجردت عن جميع الصور فأشهدت كل ذي صورة ما يراه من صورته وما لا يرى . هكذا الرجل المجرد من علائق جميع العوالم وجهه الناطق مرآة الحقائق ما قابلها ذو صورة إلا رأى وجه حقيقته ، ( وكل ذلك ) أي مما ذكر ( لا يتم ) حصوله ( إلا باستغراق أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار والأفكار ) بحيث يكون كل وقت من تلك الأوقات معمورا إما بذكر أو بفكر ، ( و ) لكن ( النفس لما ) أي لأجل ما ( جبلت عليه من السآمة والملل ) في الأفعال والأحوال ( لا تصبر على فن ) أي نوع ( واحد من الأسباب المعينة على ) كل من ( الذكر والفكر ، بل إذا دامت على ) وفي نسخة : إذا ردت إلى ( نمط واحد ) أي نوع واحد ، وفي ذكر الفن والنمط تفنن في العبارة ( ظهر الملل ) والسآمة والكسل ( والاستثقال ) وأدى ذلك إلى الهجران والإبطال ، ( وأن اللّه عز وجل لا يمل حتى تملوا ) رواه البخاري في الصحيح في أثناء حديث « مه عليكم من العمل ما تطيقون . فإن اللّه لا يمل حتى تملوا » وقد تقدم الكلام عليه في كتاب العلم . ( فمن ضرورة اللطف بها أن تروح ) أي تنشط ( بالتنقل من فن إلى فن ومن نوع إلى نوع ) وذلك النوع الآخر الذي انتقلت إليه غير الذي انتقلت منه ( بحسب كل وقت ) وما يناسبه ويليق به ( لتغزر ) أي تكثر ( بالانتقال ) المذكور ( لذتها ) الحاصلة من إقبال القلب على ذلك العمل ، ( وتعظم باللذة ) المذكورة ( رغبتها وتدوم بدوام الرغبة الحاصلة من تلك اللذة مواظبتها ) عليه ومداومتها له . ( فلذلك تقسم الأوراد قسمة مختلفة ) وقد مر في آخر كتاب أسرار الصلاة شيء من ذلك . ( والذكر والفكر ينبغي أن يستغرقا جميع الأوقات ) من الليل والنهار ( أو أكثرها ) ولا أقل من ذلك ، ( فإن النفس بطبعها ) الذي ( جبلت عليه مائلة إلى ملاذ الدنيا ) وشهواتها ( فإن صرف العبد شطر أوقاته ) أي جزءا منها ( إلى تدبيرات الدنيا ) أي