واغراضه قطاع طريقه ، وربحه الفوز بلقاء اللّه تعالى في دار السلام مع الملك الكبير والنعيم المقيم ، وخسرانه البعد من اللّه تعالى مع الانكال والاغلال والعذاب الأليم في دركات الجحيم . فالغافل في نفس من أنفاسه حتى ينقضي في غير طاعة تقربه إلى اللّه زلفى متعرض في يوم التغابن لغبينة وحسرة ما لها منتهى . ولهذا الخطر العظيم والخطب الهائل شمر الموفقون عن ساق الجد ودعوا بالكلية ملاذ النفس واغتنموا بقايا العمر ورتبوا
شرح
استعدادك ، ( وشهواته ) محركة جمع شهوة كتمرة وتمرات وهي نزوع النفس إلى ما يلائم الطبع ، ( وأغراضه ) جمع غرض محركة وهي الفائدة المرتبة على الشيء من حيث هي مطلوبة بالإقدام عليه ( قطاع طريقه ) وهم الذين يخيفون المارة بالإضرار والإتلاف ، ( وربحه ) هو بالكسر كل ما يعود من ثمرة عمل ( الفوز بلقاء اللّه عز وجل ) ومشاهدته ( في دار السلامة ) أي جنة الوصال وإليه الإشارة بقوله تعالىلَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ[ الأنعام : 127 ] وقولهوَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ[ يونس : 25 ] ( مع الملك الكبير ) بضم الميم أي الملك العظيم ( والنعيم المقيم ) أي الأبدي الذي لا يحول ولا يزول ، وإليه يرشد قوله تعالى ونَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً[ الإنسان : 20 ] ( وخسرانه ) هو بالضم انتقاص رأس المال ( البعد من اللّه تعالى مع الأنكال ) أي العقوبات ( والأغلال ) ) وهي القيود التي يغلّ بها العنق ( والعذاب الأليم ) أي المؤلم الموجع ( في دركات الجحيم ) أي طبقاتها ، وإليه يشير قوله تعالىإِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً * وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً[ المزمل : 12 ، 13 ] ( فالغافل عن نفس من أنفاسه حتى ينقضي ) ذلك النفس وهو في حالة الغفلة ( في غير طاعة تقربه إلى اللّه زلفى ) أي منزلة رفيعة ( متعرض في يوم التغابن ) هو اليوم الذي تجمع فيه الملائكة والثقلان للحساب والجزاء ويغبن فيه بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء وكانوا سعداء ، وبالعكس مستعار من تغابن التجار قاله البيضاوي ( لغبينة ) أي خسارة ( وحسرة ) شديدة ( ما لها منتهى ) حتى يبقى القلب حسيرا لبلوغ النهاية في التلهف لا موضع فيه كالبصير الحسير لا قوة للنظر فيه ، ثم إن هذا السياق الذي أورده المصنف من قوله أما بعد إلى هنا هو مثل ضربه للإنسان في هذه الدار ، وما رشح له مستفاد من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه كما عزاه له الراغب في أول كتاب الذريعة . قال علي رضي اللّه عنه : الناس سفر ، والدنيا دار ممر لا دار مقر ، وبطن أمه مبدأ سفره ، والآخرة مقصده وزمان حياته مقدار مسافته ، وسنوه منازله ، وشهوره فراسخه ، وأيامه أمياله ، وأنفاسه خطاه يسار به سير السفينة براكبها ، وقد دعي إلى دار السلام فمن لم يتزود من دنياه خابت رحلته ويتحسر حين لا يغنيه تحسره ويقول : يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ، فحينئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل . ( ولهذا الخطر العظيم ) أصل الخطر الإشراف على الهلاك وخوف التلف .
يقال : هو على خطر عظيم ثم سمي كل أمر عظيم خطرا لذلك ( والخطب الهائل ) أي المفزع يقال :
خطب يسير وخطب جليل وهو يقاسي خطوب الدهر ( شمر الموفقون ) أذيالهم ( عن ساق الجد ) أي استعدوا لإقامة مراسم الطاعات ( وودعوا ) وهو بالتخفيف ومنه قراءة من قرأ( ما