ليتخذوها منزلا فيتزوّدوا منها زادا يحملهم في سفرهم إلى أوطانهم ويكتنزون منها تحفا لنفوسهم عملا وفضلا محترزين من مصائدها ومعاطبها ويتحققون أن العمر يسير بهم سير السفينة براكبها ، فالناس في هذا العالم سفر ، وأوّل منازلهم المهد وآخرها اللحد والوطن هو الجنة أو النار . والعمر مسافة السفر ، فسنوه مراحله ، وشهوره فراسخه ، وأيامه أمياله ، وأنفاسه خطواته ، وطاعته بضاعته ، وأوقاته رؤوس أمواله ، وشهواته ،
شرح
شيء لم يتذلل ، ( بل ليتخذوها منزلا ) قلعة ( فيتزودوا منها ) أي يأخذوا منها الزاد الذي يوصلهم إلى معادهم فمن لم يتزود منها كما أمره اللّه تعالى بقولهوَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى[ البقرة : 197 ] خابت رحلته فيسترجع منه ما أعير من جسده وذات يده ( محترزين من مصائدها ) جمع مصيدة كمعيشة ( ومعاطبها ) أي مهالكها ( ويتحققون ) في أنفسهم ( أن العمر ) وهو بالضم اسم لمدة عمارة البدن بالحياة ( يسير بهم سير السفينة براكبها ) حسب الرياح المعتورة كما قال القائل :رأيت أخا الدنيا وإن كان حاضرا * أخا سفر يسري به وهو لا يدري( فالناس في هذا العالم ) أي عالم الملك ( سفر ) بفتح فسكون أي مسافرون ( وأول منازلهم المهد ) وهو ما يهيأ للصبي ( وآخرها اللحد ) وهي الحفرة المائلة عن الوسط والمراد به مقر الميت ( والوطن ) الأصلي الذي يسكنه ( هو الجنة ) إن كان من أهلها ( أو النار ) إن كان من أهلها ( والعمر ) بينهما ( مسافة السفر ) والمسافة المضرب البعيد ، يقال : كم مسافة هذه الأرض وبيننا مسافة عشرين يوما ، وأصلها موضع سوق الأدلاء أي شمهم يتعرفون حالها من قرب وبعد وجور وقصد . قال امرؤ القيس :على لاحب لا يهتدي لمناره * إذا ساقه العوذ الديافي جرجراويقال : بينهما مساوف ومراحل ، ( فسنوه ) بكسر السين أصله سنون حذفت النون لأجل الإضافة جمع سنة بفتح وتخفيف اسم لأمد تمام دورة الشمس وتمام اثنتي عشرة دورة للقمر ( مراحله ) جمع مرحلة وهي المنزل الذي ينزل فيه المسافر ثم يرتحل عنه ، ( وشهوره ) جمع شهر اسم للزمان الذي بين الهلالين ( فراسخه ) جمع فرسخ وهي المسافة المعلومة في الأرض ، ( وأيامه ) جمع يوم ( أمياله ) جمع ميل بالكسر اسم لمسافة معلومة في الأرض ( وأنفاسه ) جمع نفس بالتحريك هو الريح الداخل والخارج في البدن من الفم والمنخر وهو كالغذاء للنفس وبانقطاعه بطلانها ( خطواته ) جمع خطوة اسم للمسافة التي بين القدمين عند المشي ، ( وطاعته ) وهي كل ما فيه رضا وتقرب إلى اللّه تعالى ، ( بضاعته ) وهي في الأصل قطعة وافرة من المال تقتني للتجارة ، ( وأوقاته رؤوس أمواله ) فمتى ضيعت ضاع رأس ماله والوقت عبارة عن المحدود من الزمن من غير تعيين إلى ماض ومستقبل ، وعند الصوفية عبارة عن حالك وهو ما يقتضيه