تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
بسم اللّه الرحمن الرحيم نحمد اللّه على آلائه حمدا كثيرا ، ونذكره ذكرا لا يغادر في القلب استكبارا ولا
شرح
تشفعت فهو أوجه الشفعاء وأكرم الكرماء وربي عز وجل هو الغفور الجواد القدير على فرج العباد لا إله غيره ولا خير إلا خيره ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . قال المصنف رحمه اللّه تعالى : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) يقال لمجموعها البسملة والتسمية . والأول أكثر ، والمراد بالكتاب ما أريد كتبه . والمعنى أن حقها أن تكون مفتتح كل كتاب ، قيل : لما نزلت هرب الغيم إلى المشرق وسكنت الرياح وهاج البحر وأصغت البهائم بآذانها ورجمت الشياطين وحلف اللّه بعزته وجلاله أن لا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه ، واختصت بهذه الأسماء الثلاثة ليعلم العارف أن المستحق لأن يلجأ إليه ويستعان في جميع الأمور ويعول عليه هو الواجب الوجود المعبود بالحق الذي هو مولى النعم كلها عاجلها وآجلها جليلها وحقيرها ، فيتوجه بكليته إليه ويتمسك بحبل التوفيق ويشغل سره بذكره والاستغناء به عن غيره ويعتمد في جميع أموره عليه . ثم قال : ( نحمد اللّه تعالى على آلائه ) أي نعمه ( حمدا كثيرا ) أي موصوفا بالكثرة وآثر الجملة الفعلية نظرا لمقام الحمد على نعم اللّه تعالى ليفيد تجدد صدور الحمد من تعلقه باللّه تعالى على استغراق الأزمنة بمعونة المقام ، على أن فيه أتعابا دون الثبوت ، ولا شك أن أفضل الأعمال أحمزها أي أشدها وأشقها مع ما في ذلك من الشرف بإظهار النعمة عليه ، وأنه ممن أهل لذلك لتلبسه بالعبادة العظمى التي هي حمده على نعمه السرمدية ، وأيضا فالمحمود عليه هنا ليس من الصفات الثابتة للذات كالربوبية فناسب الفعلية ، ( ونذكره ذكرا لا يغادر ) أي لا يترك ( في القلب ) أي باطنه ( استكبارا ) أي تكبرا ( ولا نفورا ) أي انقباضا ، وعدم الرضا به وهو مقتبس من قوله تعالىفَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً * اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ[ فاطر : 42 ، 43 ] الآية . ولفظ الذكر يشمل الحمد وغيره كالتهليل والتكبير والحوقلة والحسبلة والاستغفار والصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن الآتي بكل منها يسمى ذاكرا ، وإليه يشير قوله تعالىفَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ[ البقرة : 152 ] ولكل ذكر ثمرة وخاصة ، فإيراده بعد الحمد من قبيل ذكر العام بعد الخاص وهو شائع في فصيح الكلام ، ولما كان المقام يقتضي مزيد الاهتمام بالحمد لأن هذا الكتاب الذي شرع فيه من جلائل النعم قدم جملة الحمد على جملة الذكر ، وأيضا فإن الحمد للّه أفضل من باقي الأذكار صرح به المصنف وغيره وبينوه بما حاصله : بأن الحمد للّه فيه تنزيه اللّه تعالى وتوحيده وزيادة شكره . وقال بعضهم : ليس شيء من الأذكار يضاعف ما يضاعف الحمد للّه ، فإن النعم كلها من اللّه تعالى وهو المنعم والوسائط مسخرون من جهته ، وهذه المعرفة وراء التقديس والتوحيد