نفورا ، ونشكره إذ جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ، ونصلي على نبيه الذي بعثه بالحق بشيرا ونذيرا وعلى آله الطاهرين وصحبه الأكرمين الذين اجتهدوا في عبادة اللّه غدوة وعشيا وبكرة وأصيلا حتى أصبح كل واحد منهم نجما في الدين هاديا وسراجا منيرا .
أما بعد ؛ فإن اللّه تعالى جعل الأرض ذلولا لعباده لا ليستقروا في مناكبها بل
شرح
لدخولهما فيه ، وينطوي فيها معهما كمال القدرة والانفراد بالفعل ، ولذلك ضوعف الحمد للّه ما لم يضاعف غيره من الأذكار مطلقا . ( ونشكره إذ جعل الليل والنهار خلفة ) يخلف أحدهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه ( لمن أراد أن يذكر ) بالتشديد أي يتذكر ، وقراءة حمزة أن يذكر بالتخفيف من ذكر بمعنى تذكر أي يتذكر آلاء اللّه تعالى ويتفكر في صنعه ، فيعلم أن لا بد له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد . ( أو أراد شكورا ) بالضم أي شكرا أي أراد أن يشكر اللّه على ما فيه من النعم ، وفي إيراد هذه الآية هنا براعة الاستهلال . ( ونصلي على محمد نبيه الذي بعثه بالحق ) الواضح وهو حق ، ( بشيرا ) بالجنة ودرجاتها لمن آمن به ( ونذيرا ) بالنار ودركاتها لمن خالفه وتمرد على اللّه تعالى وهو مقتبس من قوله تعالىإِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً[ فاطر : 24 ] ( وعلى آله وصحبه الأكرمين ) جمع أكرم وهو أفعل من كرم كرامة وكرامتهم شرف نسبتهم إليه صلّى اللّه عليه وسلم وتعلقهم به قرابة وصحبة . ( الذين اجتهدوا في عبادة اللّه ) العملية والقولية ( غدوة وعشيا وأصيلا وبكورا ) أي مساء وصباحا ( حتى أصبح كل واحد منهم ) أي من الآل والأصحاب ( نجما في الدين ) يهتدي به في أموره ، ( هاديا ) لغيره بأنواره ( وسراجا منيرا ) أي مضيئا ، وإنما وصفهم بالسراج لما فيه من تعدد النفع وتعديه إلى غيره .
واعلم أن كل ما يبصر نفسه وغيره إن كان من جملة ما يبصر به غيره أيضا ، مع أنه يبصر نفسه وغيره ، فهو أولى باسم النور من الذي لا يؤثر في غيره أصلا ، بل بالحريّ أن يسمى سراجا منيرا لفيضان أنواره على غيره ، وهذه الخاصية توجد للروح القدسي النبوي إذ يقتضي بواسطة أنوار المعارف على الخلائق والأنبياء كلهم سرج ، وكذلك الآل والأصحاب ، ولكن بينهم تفاوت لا يحصى .
( أما بعد ، فإن اللّه عز وجل جعل الأرض ذلولا ) أي لينة يسهل السلوك فيها ( لعباده ) ولكن ( لا ليستقروا في مناكبها ) أي جوانبها أو جبالها . قال اللّه تعالىهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها[ الملك : 15 ] قال البيضاوي : هو مثل لفرط التذلل ، فإن منكب البعير ينبو أن يطأه الراكب ولا يتذلل له ، فإذا جعل الأرض بحيث يمشي في مناكبها لم يبق