تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
اللّه : الاستغفار بلا اقلاع توبة الكذابين . وقالت رابعة العدوية رحمها اللّه : استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير . وقال بعض الحكماء : من قدم الاستغفار على الندم كان مستهزئا باللّه عز وجل وهو لا يعلم . وسمع اعرابي وهو متعلق بأستار الكعبة يقول : اللهم إن استغفاري مع إصراري للؤم وإن تركي استغفارك مع علمي بسعة عفوك لعجز ، فكم تتحبب إليّ بالنعم مع غناك عني وكم أتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك ! يا من إذا وعد وفى وإذا أوعد عفا أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين . وقال أبو
شرح
أنت أستغفرك ثم أتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك » . وعن أنس رفعه قاله : « كفارة المجلس سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ، فهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد روي عنه أيضا ما ذكرنا ، وهو أولى القولين عندنا لأن اللّه عز وجل قد أمرنا بذلك في كتابه فقال :فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ[ البقرة : 54 ] وقالتُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً[ التحريم : 8 ] وأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الآثار التي ذكرنا ، فلهذا أبحنا ذلك وخالفنا أبا جعفر بن أبي عمران فيما ذهب إليه فيما ذكرناه أولا اه . كلام أبي جعفر الطحاوي بالاختصار . ( وقال الفضيل ) بن عياض رحمه اللّه تعالى : ( الاستغفار بلا إقلاع ) عن المعصية ( توبة الكذابين ) أي : فإن الذي يستغفر وهو معتقد أن يعود إلى ما تاب فهو بذلك القول فاسق معاقب عليه لأنه كذب على اللّه فيما قال . ( وقالت رابعة العدوية ) البصرية رحمها اللّه تعالى : ( استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير ) وهو يشير إلى ما ذكرناه من أن التلفظ باللسان من غير اعتقاد القلب على ترك العود إلى ما استغفر منه ذنب ، وهذا يلزم منه الدور والتسلسل ولا يقطع ذلك إلا صدق القلب على ترك ما استغفر منه والندم بالجزم على أن لا يعود إليه أبدا . ( وقال بعض الحكماء : من قدم الاستغفار على الندم كان مستهزئا على اللّه تعالى وهو لا يعلم ) أي : من استغفر ولم يندم على ما أصاب من ذلك الذنب فكأنه استهزأ على ربه عز وجل وهو لا يدري ، فإن الندم توبة . كما ورد ذلك من حديث عبد اللّه بن مغفل ، فإذا لم يوجد الندم كان استغفاره كالعبث . ( وسمع أعرابي وهو متعلق بأستار الكعبة يقول : اللهم إن استغفاري إياك ) من ذنب ( مع إصراري ) عليه وعدم إقلاعي ( للؤم وإن ترك استغفارك مع علمي بسعة عفوك لهجر ) أي منكر ، ( فكم ) يا مولاي ( تتحبب إلي بالنعم ) الكثيرة ( مع غناك عني ) مطلقا ، ( وأتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك ) بالذات . ( يا من إذا وعد وفى وإذا تواعد عفا ) ، وهكذا شأن الكريم ( أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين ) وهو من الأدعية الجامعة لشروطها من البداية بالاسم الأعظم الذي هو : اللهم ، ثم الإقرار بالذنب ثم إثبات سعة العفو والوفاء بالوعد ، ثم السؤال مع التضرع ، ثم الختم باسمه الأعظم الذي هو أرحم الراحمين .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 294 | مرتضى الزبيدي