أحيا أباك فأقعده بين يديه وليس بينه وبينه ستر فقال تعالى : تمنّ عليّ يا عبدي ما شئت أعطيكه ؟ فقال : يا رب أن تردني إلى الدنيا حتى أقتل فيك وفي نبيك مرة أخرى . فقال عز وجل : سبق القضاء مني بأنهم إليها لا يرجعون » . ثم القتل سبب الخاتمة على مثل هذه الحالة فإنه لو لم يقتل وبقي مدة ربما عادت شهوات الدنيا إليه وغلبت على ما استولى على قلبه من ذكر اللّه عز وجل ، ولهذا عظم خوف أهل المعرفة من الخاتمة ، فإن القلب وإن ألزم ذكر اللّه عز وجل فهو متقلب لا يخلو عن الالتفات إلى شهوات الدنيا ولا ينفك عن فترة تعتريه فإذا تمثل في آخر الحال في قلبه أمر من الدنيا واستولى عليه وارتحل عن الدنيا والحالة هذه فيوشك أن يبقى استيلاؤه عليه فيحن بعد الموت إليه ذلك ويتمنى الرجوع إلى الدنيا وذلك لقلة حظه في الآخرة إذ يموت المرء على ما عاش عليه ويحشر
شرح
بين يديه وليس بينه وبينه ستر فقال اللّه تعالى : تمن علي يا عبدي ما شئت أعطيكه . فقال يا رب : تردني إلى الدنيا حتى أقتل فيك وفي نبيك ) صلّى اللّه عليه وسلم ( مرة أخرى . فقال اللّه عز وجل :
سبق القضاء مني أنهم إليها لا يرجعون » ) قال العراقي : رواه الترمذي وقال : حسن ، وابن ماجة والحاكم وصحح إسناده من حديث جابر اه .
ثم ( إن القتل سبب الخاتمة على مثل هذه الحالة ) المرضية ، ( فإنه لو لم يقتل وبقي مدة ) من الزمان ( ربما عادت شهوات الدنيا ) إليه ( وغلبت على ما استولى على قلبه من ذكر اللّه تعالى ) فبعد أن كان مؤهلا للرتبة العلية والحضور مال عنها وتشاغل بالحظوظ فذلك دليل الخذلان نعوذ باللّه من ذلك ، ( ولهذا عظم خوف أهل المعرفة ) باللّه تعالى ( من سوء الخاتمة ، فإن القلب وإن ألزم ذكر اللّه تعالى فهو متقلب ) وإليه الإشارة بقول القائل :وما سمي الإنسان إلا لأنسه * وما القلب إلا أنه يتقلبفهو إذا ( لا يخلو عن الالتفات إلى شهوات الدنيا ) ولذاتها ، ( ولا ينفك عن فترة تعتريه ) فلكل عمل فترة ، كما ورد في الخبر : فالفترة تكون من الأعمال وأما الوقفة فإنها تكون في الأموال ، وسبب الوقفة إهمال حكم الحال والإخلال بشيء من شروط الحال ، وموجب الإخلال والإهمال لنقصان علم الحال ونقصان علم الحال لنقصان علم القيام ، وهذا النقصان هو الفتور عن المراقبة . ( فإذا تمثل في آخر الحال في قلبه أمر الدنيا واستولى عليه وارتحل عن الدنيا على هذه الحالة ، فيوشك أن يبقى استيلاؤه عليه فيحيا بعد الموت على ذلك ويتمنى الرجوع إلى الدنيا وذلك لقلة حظه في الآخرة إذ يموت المرء على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ) . وقد روى ابن ماجة والضياء في المختارة عن جابر رفعه « يحشر الناس على نياتهم » . وقال الشيخ الأكبر قدس سره : والناس إنما يحشرون يوم القيامة على قدر معرفتهم باللّه الحاصلة في نفوسهم لا على قدر معرفتهم بطريق المعرفة والعلم .