تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
يتعلق بالدنيا فإن ذلك يفنى في حقه بالموت ف
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ الرحمن : 26 ، 27 ] وإنما تفنى الدنيا بالموت في حقه إلى أن تفنى في نفسها عند بلوغ الكتاب أجله . وهذا الإنس يتلذذ به العبد بعد موته إلى أن ينزل في جوار اللّه عز وجل ويترقى من الذكر إلى اللقاء . وذلك بعد أن يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور . ولا ينكر بقاء ذكر اللّه عز وجل ومعه بعد الموت فيقول : إنه أعدم فكيف يبقى معه ذكر اللّه عز وجل ؟ فإنه لم يعدم عدما يمنع الذكر بل عدما من الدنيا وعالم الملك والشهادة لا من عالم الملكوت . وإلى ما ذكرناه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم :
شرح
تقدم ذلك في الباب السابع من كتاب العلم بلفظ « أحبب من أحببت » وتقدم أنه رواه الطبراني في الأوسط والأصغر من حديث علي بسند ضعيف . ( أراد به كل ما يتعلق بالدنيا ) من الأكوان والألوان ، ( فإن ذلك يفنى في حقه بالموت ) ولا يبقى ( فكُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ )أي هالك ومضمحل بالكلية( وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ )فمن تعلقت همته بكون من الأكوان كائنا ما كان فهي مع غير اللّه تعالى فلا بد من دفع ذلك عنها وتعليقها به تعالى وحده الذي من صفته البقاء المطلق ، وأنه ذو الجلال والإكرام ، ( وإنما تفنى الدنيا بالموت في حقه إلى أن تفنى ) هي ( في نفسها عند بلوغ الكتاب أجله ) المحتوم . ( وهذا الانس ) بالمذكور ( يتلذذ به العبد بعد موته إلى أن ينزل في جوار اللّه عز وجل ويترقى من الذكر إلى اللقاء ) وإنما عبر عنه بالترقي لأن الذكر حجاب عن المذكور بمنزلة الدليل ، والدليل متى أعطاك المدلول سقط عند تحققك بالمدلول ، وكذلك الذكر فمتى كنت مع المذكور فلا ذكر وهذا هو اللقاء . ( وذلك بعد أن يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور ) من النيات والهمم ، فالعبد مع نيته وهمته فهي تجذبه وترفعه إلى محلها منه . ( ولا ينكر بقاء ذكر اللّه عز وجل معه بعد الموت فيقول إنه أعدم فكيف يبقى معه ذكر اللّه عز وجل فإنه لم يعدم عدما يمنع الذكر بل عدما من عالم الدنيا وعالم الملك و ) عالم ( الشهادة لا من عالم الملكوت ) الذي هو الغيب المختص . وسئل الشيخ الأكبر قدس سره عن قول المصنف رحمه اللّه تعالى : إذا صار السالك في سماء الدنيا أمن خاطر الشيطان وعصم منه ؟ فأجاب : ههنا تحقيق ينبغي أن يتفطن له ، وذلك أن القول إنما يثبت إذا صار الجسد فوق سماء الدنيا إذا مات الإنسان وانتقلت نفسه ، وأما إذا كان في عالم الكشف ، وكذا كشف السماوات فإنه فيها بروحانيته فقط وخياله متصل ، وللشيطان موازين يعلم بها أين مقام العبد في ذلك المشهد فيظهر من مناسبات المقام ما يدخل عليه الوهم والشبهة ، فإن كان عند السالك ضعف أخذ عنه وتحقق بالجهل ونال الشيطان منه غرضه في ذلك الوقت ، وإن كان عارفا أو على يد شيخ محقق ، فإن تم سلوكا يثبت به ما جاء به الشيطان ويستوفيه ثم يأخذ منه فيصير ذلك المشهد الشيطاني مشهدا ملكيا ثابتا لا يقدر الشيطان أن يدفعه فيذهب خاسرا خاسئا ، ومنهم من أخذ من العدو ما أتى به ويقلب عين ذلك الشبه فيردّه خالصا أبريزا اه .