تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ
[ آل عمران :
169 - 170 ] الآية . ولأجل شرف ذكر اللّه عز وجل عظمت رتبة الشهادة لأن المطلوب الخاتمة ، ونعني بالخاتمة وداع الدنيا والقدوم على اللّه والقلب مستغرق باللّه عز وجل منقطع العلائق عن غيره ، فإن قدر عبد على أن يجعل همه مستغرقا باللّه عز وجل فلا يقدر على أن يموت على تلك الحالة إلا في صف القتال ، فإنه قطع الطمع عن مهجته وأهله وماله وولده بل من الدنيا كلها فإنه يريدها لحياته وقد هوّن على قلبه حياته في حب اللّه عز وجل وطلب مرضاته فلا تجرد للّه أعظم من ذلك ، ولذلك عظم أمر الشهادة وورد فيه من الفضائل ما لا يحصى . فمن ذلك أنه لما استشهد عبد اللّه بن عمرو الأنصاري يوم أحد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لجابر : « ألا أبشرك يا جابر ! قال : بلى بشرك اللّه بالخير . قال : إن اللّه عز وجل
شرح
وجلوَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْالآية ) . روى مسلم عن أبي مسعود البدري رضي اللّه عنه أنه سئل عن هذه الآية فقال : أما أنا قد سألنا عن ذلك فقال : « أرواحهم في جوف طير خضر » فلم يسم فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي رواية الترمذي « أما أنا قد سألنا عن ذلك فأخبرنا وذكر صاحب مسند الفردوس أن ابن منيع صرح برفعه في مسنده ، ( ولأجل شرفهم ) أي الشهداء ( بذكر اللّه تعالى عظمت رتبة الشهادة ) على غيرها ، ففي الصحيح : فوذدت « أني أحيى فأقتل ثم أحيى فأقتل » ( لأن المطلوب ) الأعظم ( الخاتمة ) فإن حسنت قبلت الأعمال كلها ، ( ونعني بالخاتمة ) هنا ( وداع الدنيا ) وتركها وما يتعلق بها وراء ظهره ( والقدوم على اللّه عز وجل ) بكمال همته ( والقلب مستغرق باللّه تعالى منقطع العلائق عن غيره ) ، وذلك بمراعاة الأنفاس الصاعدة مع اللّه تعالى . وهذه أعلى المراتب ودون ذلك من يراعي ساعاته ، وأقل العارفين رتبة من يراعي يومه وذلك أقل الدرجات ، فهذا معنى الاستغراق باللّه .
( فإن قدر عبد على أن يجعل همه ) كله بعد ضمه عن التشتت ( مستغرقا باللّه تعالى ) تاركا ما سواه ، وهذا الاستغراق يحصل بتهيئة المحل لما يجب عليه للربوبية وقطع العلائق الحسية والمعنوية ، ومتى حصل له ذلك ( فلا يقدر على أن يموت على تلك الحالة إلا في صف القتال ) مع أعداء الحق ، ( فإنه قد قطع عند ذلك الطمع عن مهجته ) أي نفسه ( وأهله وماله وولده ، بل من الدنيا كلها فإنه يريد إماتته في الشرع وقد هون على قلبه حياته في حب اللّه عز وجل وطلب مرضاته ولا تجرد للّه أعظم من ذلك في الشرع ، ولذلك عظم أمر الشهادة ) ونوه بشأنها ( وورد فيها من الفضائل ما لا يحصى ، فمن ذلك أنه لما استشهد عبد اللّه ) السلمي ( الأنصاري ) والد جابر رضي اللّه عنهما ( يوم أحد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لجابر ابنه « ألا أبشرك يا جابر ! قال : بلى بشرك اللّه بالخير . قال : إن اللّه عز وجل أحيا أباك وأقعده