تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
انقطع عن غير ذكر اللّه وما سوى اللّه عز وجل هو الذي يفارقه عند الموت ، فلا يبقى معه في القبر أهل ولا مال ولا ولد ولا ولاية ولا يبقى إلا ذكر اللّه عز وجل ، فإن كان قد أنس به تمتع به وتلذذ بانقطاع العوائق الصارفة عنه إذ ضرورات الحاجات في الحياة الدنيا تصد عن ذكر اللّه عز وجل ولا يبقى بعد الموت عائق ، فكأنه خلى بينه وبين محبوبه فعظمت غبطته وتخلص من السجن الذي كان ممنوعا فيه عما به أنسه . ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن روح القدس نفث في روعي أحبب ما أحببت فإنك مفارقه » أراد به كل ما
شرح
كائن في المقام ، فإن القرب الإلهي يذهب الأكوان والأعيان إذا كنت فيه كائنا ، وتحقيق هذا المقام أن البعد بعدان : بعد الحقائق وبعد المسافات ، فبعد المسافات يتصور بعد القرب ، وأما بعد الحقائق فلا يتبدل أبدا فإذا أقامك الحق في مشهد وأشهدك نفسك فأنت في عين البعد لأنك كون وأين الكون من الحق ، فبينهما البعد البعيد . لكن لك حقيقة المجاورة المعنوية وهي أنه ليس بينك وبينه تعالى أمر زائد كما ليس بين الجوهرين المتجاورين حيز ثالث . وللّه المثل الأعلى ، ولا يكون في هذا المقام إلا المحققون . وأما أرباب الأحوال من الصوفية فلهم الفناء عن أنفسهم ، فالمحقق أثبت الرب والبعد وهو المتحقق ، فإذا انتفى البعد في حق العارف فذلك بالوقت هو صاحب حال لا صاحب تحقيق ، فتأمل . ( وما سوى اللّه تعالى هو الذي يفارقه عند الموت ، فلا يبقى معه في القبر أهل ولا مال ولا ولد ولا ولاية ) على شيء ( ولا يبقى معه إلا ذكر اللّه سبحانه ) وما والاه ، وما ورد في الخبر « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث » . الحديث . فإن المراد عمله الدنيوي وهو من عالم الملك ، وأما ذكر اللّه فهو من عالم الملكوت فهو كالمستثنى في الأعمال ، ( فإن كان قد أنس به تمتع به وتلذذ بانقطاع العوائق الصارفة عنه إذ ضرورات الحاجات في الحياة الدنيا تصد عن ذكر اللّه عز وجل ، ولا يبقى بعد الموت عائق فكأنه يخلي بينه وبين محبوبه ) الذي ألفه ، ( فعظمت غبطته وتخلص من السجن الذي كان ممنوعا فيه عما به انسه ) . قال الشيخ الأكبر قدس سره : من عرف شيئا تعلقت همته بطلبه كان له إما عاجلا وإما آجلا ، فإن ظفر به كان ذلك اختصاصا واعتناء ، وإن لم يظفر به في حياته معجلا كان مدخرا له بعد المفارقة قد يناله بعد المفارقة ثم ضرورة لازمة ، ومن لم يتحقق منها في هذا الموطن لم يظفر ، ثم وإنما سمي يوم القيامة يوم التغابن لهذا إذ ينقطع الترقي وإنما يكون الترقي تم في نفس المقام الذي حصله المكلف ههنا . وقال أيضا قدس سره : ينبغي للعبد أن يستعمل همته في الحضور في مناماته بحيث يكون حاكما على خياله يصرفه بعقله نوما كما كان يحكم عليه يقظة ، فإذا تحقق للعبد هذا الحضور وصار خلقا له وجد ثمرة ذلك في البرزخ وانتفع به جدا فليهتم العبد بتحصيل هذا القدر فإنه عظيم الفائدة . ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « إن روح القدس نفث في روعي أحبب ما أحببت فإنك مفارقه » )