طعام يستبشعه أولا ويكابد أكله ويواظب عليه فيصير موافقا لطبعه حتى لا يصبر عنه ، فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف :
هي النفس ما عودتها تتعوّد
أي ما كلفتها أولا يصير لها طبعا آخرا . ثم إذا حصل الانس بذكر اللّه سبحانه
شرح
يستبشعه ) أي يجده بشعا كريها ( أولا ) أي في أول الأمر ( ويكابد أكله ويواظب عليه ) أي يداوم ( فيصير موافقا لطبعه ) ممازجا لمزاجه ( حتى لا يصبر عنه ، فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف ) أي لما تحمل تكلفا ( وقد قيل ) فيما مضى :
( هي النفس ما حملتها تتحمل ) وفي بعض النسخ : « ما عودتها تتعود » وهو قول المتنبي ، ومثله قوله :
لكل امرئ من دهره ما تعودا
( أي ما كلفتها أولا يصير لها طبعا آخرا ) وربما يفهم من سياق المصنف في قوله : حتى يكابد ويجاهد أن المراد به الرياضة المعروفة للسادة الصوفية من الصوم والخلوة وإمالة النفس عن الشهوات المألوفة كما هو الشأن عند الأكثرين في مبدأ السلوك العام وهو صحيح في نفسه ، ولكن ينبغي أن تعرف أن الرياضة بالوجه المذكور إنما اشترطها الحكماء لتخلو أفكارهم للتلقي عن الروحانيات ، فإن الروحانيات لا تعطيهم آثارها إلا بفراغ المحل واستعداده وتوجهه إلى أفقهم .
وأما العارفون باللّه تعالى فإنهم علموا أن الأشياء كلها نسبتها إلى الحق نسبة واحدة فهم يشهدونه سبحانه في كل شيء ولا يحجبهم عنه شيء ، ولهذا جاءت الشرائع بالأمر العام فأثبت كل أحد على أصله إذ لكل نوع منهم أصل إلى الحق فافهم ذلك .
وإلى ذلك أشار الشيخ شهاب الدين السهروردي في أجوبة أسئلة وردت له من مشايخ خراسان هو أن الخلوة معينة على دفع آفات النفس ومعرفة الزيادة والنقص ، وقد يترقى المريد بنفس الشيخ وصحبته من غير أن ينحبس في بيت مظلم بل يسري إليه من باطن الشيخ ما يستغني به عن الخلوة ، لكن الخلوة تصلح لبعض المريدين غير أني لا أحب للمريد أن يترك الصلاة في جماعة ، بل يحضر الفرض ويرجع إلى خلوته حتى لا تكون خلوته رهبانية ، وأما من ترك الجماعة وزعم أنه في الخلوة وإن خرج يتشوّش عليه خاطره وتتفرق جمعيته ، فهذا ضال مخطئ نعوذ باللّه منه ، ومن يحسن له ذلك فهو عين الضلال واتباع المحال بل ببركة المتابعة وابتغاء فضل الجماعة يعود عليه من الفتح والنور أجل مما فاته في خلوته اه .
( ثم إذا حصل الأنس بذكر اللّه عز وجل ) وألفه ألفة تامة ( انقطع عن غير اللّه تعالى ) وعن نفسه ، فإنها غير اللّه تعالى وهو المعبر عنه عندهم بالفناء وكل مشهد يعتمد الحق فيه بينك وبينه ذكر الأغيار أو ذكر نفسك ، وتزعم أن ذلك قرب فليس ذلك بقرب لكنك مجاور غير