التنعم إلا من الانس والحب . ولا يصدر الإنس إلا من المداومة على المكابدة والتكلف مدة طويلة حتى يصير التكلف طبعا ، فكيف يستبعد هذا وقد يتكلف الإنسان تناول
شرح
بشيء ( إلا من الإنس والحب ) الحاصلين منه ، ( ولا يصدر الإنس ) والحب ( إلا من المداومة على المكابدة ) والمجاهدة ورياضة النفس وتدريبها ( والتكلف ) من ذلك ( مدة طويلة ) بحسب همة السالك وقوته ومعرفته ، ( حتى يصير التكلف طبعا ) مناسبا له لا ينفك عنه ويصير حكمه حكم المزاج الذي لا محيد له عنه والسالكون في قطع هذه المفازة على مراتب : فمنهم من يقطع ذلك في ستين ، ومنهم في أربعين ، وهذا هو الحد الكامل عند السادة الخلوتية ، ومنهم في عشرين كما وقع لعتبة الغلام وثابت البناني ، ومنهم في عشر ، ومنهم في أقل من ذلك . وقد قلنا أن الصحيح أن ذلك مربوط بهمة السالك وقوة مربيه ، فقد تقع المصلحة في لمحة وتحصل الملاحظة في لحظة ، وإليه الإشارة بقولهم : ما سلم حتى ودع أي ما دخل في أول قدمه حتى ترك ما سوى اللّه ، وغالب البطر للسالكين إنما يحصل من امرين :
أحدهما : الوقوف مع الموطن الذي أقيم فيه فيكون حاجبا له عن الوصول إلى الترقيات . أولا ترى أن العلم أشرف شيء بعد اللّه تعالى ، فمن وقف معه حجبه عن اللّه ورجع إلى كونه نعمة أنعم اللّه بها عليه ، ولا صعود في حقه ما لم ينزع نفسه عن الوقوف في ذلك الموطن .
والثاني : الإيغال في تحرير أدلة التوحيد على طريقة المتكلمين ، فكلما قام بباطنه أمر ما نفاه ، ووقف مع قولهلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌولو علم أن الطريق إلى معرفة اللّه أسهل الأشياء وأوضحها لاستراح من أول قدم وفرغ المحل ليكون قابلا للمواهب والمعارف وأما أصحاب الفكر ؛ فهم الذين شغلوا المحل وصرفوه عن القبول الإلهي بالفكر فيما لا يصح اقتناصه بالفكر فتأمل ذلك .
ومما يؤيد ما ذكرت من بطء السالك تارة في سيره ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره في بعض مخاطباته ما معناه : كان الشيخ أبو مدين رحمه اللّه تعالى يقصد قرب الطريق على المريدين فينقلهم من هذه الطرق إلى الفتح من غير أن يمروا على الملكوت لما فيه من الخطر وتعشق الأنفس به ، فإذا حصل للعبد الفتح تدلى إلى العالم فكشفه بالحق تعالى ثم سأله السائل وقال له : يا سيدي فهل للشيخ أثر في ذلك ؟ قال : نعم هو بمنزلة الدليل الذي يقول لك اسلك هذه الجهة فإنها أقرب من هذه والسلوك عندنا بمنزلة الدائرة وهي درج يعتضد السالك إلى أن يرقى جميعها ، فإذا خالف الأمر على الترتيب فيتعب أو يطول سلوكه ، فإذا وقع له العارف اختصر له الطريق . أما سمعت إشارة أبي يزيد رحمه اللّه بقوله وقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما ، ووقفت مع الصائمين والمصلين إلى أن عد مقامات كثيرة في ذلك كله يقول : فلم أر لي معهم قدما فقلت : يا رب كيف الطريق إليك ؟ فقال : اترك نفسك وتعالى فاختصر له الطريق وهي ألطف كلمة وأخصر ما في الباب ، فلما ترك نفسه قام الحق معه ، وهذه أقرب الطرق .
ثم قال المصنف رحمه اللّه : ( وكيف يستبعد هذا وقد يتكلف الإنسان تناول طعام