العادات أن تذكر غائبا غير مشاهد بين يدي شخص وتكرر ذكر خصاله عنده فيحبه .
وقد يعشق بالوصف وكثرة الذكر ثم إذا عشق بكثرة الذكر المتكلف أولا صار مضطرا إلى كثرة الذكر آخرا بحيث لا يصبر عنه . فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره . ومن أكثر ذكر شيء وإن كان تكلفا أحبه ، فكذلك أول الذكر متكلف إلى أن يثمر الانس بالمذكور والحب له ، ثم يمتنع الصبر عنه آخرا فيصير الموجب موجبا والثمر مثمرا . وهذا معنى قول بعضهم : كابدت القرآن عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة ، ولا يصدر
شرح
لك أن تتبع تلك الشعرة حتى يحصل المعطل ، كما قال بعضهم : الشغل هو عدم الشغل وعدم الشغل هو الشغل ، وسأل الشيخ عبد الكريم اليمني حضرة الولي سعد الدين الكاشفري : ما الذكر ؟ قال :
قلت لا إله إلا اللّه ، فقال : ما هذا ذكر هذا عبادة . قال : فقلت له أفد أنت . فقال : الذكر أن تعلم أنك لا تقدر على وجدانه ، ولذا قال الجنيد رحمه اللّه تعالى : الصدق هو أن تجلس ساعة متعطلا عن ملاحظة كل شيء ، ثم أن مقصود هذه الطائفة مشاهدة الحق في الذكر كأنه يراك وملكة الحضور يسمونها مشاهدة وتكون بالقلب .
( ولا ينبغي أن يتعجب من هذا فإن من المشاهد ) المحسوس ( في العادات ) الظاهرة ( أن يذكر غائب ) عن العين ( غير مشاهد ) بالبصر ( بين يدي شخص ويكرر ذكر خصاله ) الحميدة التي تبعث الذاكر على محبته ( عنده فيحبه ) أي يميل قلبه بالحب إليه ، ( وقد يعشق ) الشيء ويحب ( بالوصف ) المتكرر ( وكثرة الذكر ) ومن هنا قالوا :أذني لبعض صفات الحي عاشقة * والأذن تعشق قبل العين أحيانا( ثم إذا عشق بكثرة الذكر المتكلف أولا ) وهواه ومال إليه ( صار مضطرا إلى كثرة الذكر آخرا ) من غير اختياره ( بحيث لا يصبر عنه ) لحظة لارتسامه في لوح القلب ، ( فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره ) رواه بهذا اللفظ أبو نعيم ، ثم الديلمي من حديث مقاتل بن حبان عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة مرفوعا وقد تقدم ذلك ، ( ومن أكثر ذكر شيء ) وإن كان تكلفا في الأول وتصنعا ( أحبه ) لا محالة ولا دور فيه كما يظن ، فإن الحب الأول تكلفي ، والثاني حقيقي فتفارقا ، ( فكذلك أول الذكر ) للذاكر ( تكلف ) فيما يجده من نفسه ، فإذا داوم انتقل إلى مقام وسط يغلبه التكلف تارة ويغيب عنه أخرى ( إلى أن ) يترقى بهمة مربية ( إلى ) مقام الفناء الأول و ( يثمر ) له ( الأنس ) والألفة ( بالمذكور والحب له ) وفيه ، ( ثم يمتنع الصبر عنه آخرا فيصير الموجب ) بكسر الجيم ( موجبا ) بفتحها ( ويصير الثمر مثمرا ) للغايات . ( وهذا معنى قول بعضهم ) من العارفين : ( كابدت القرآن عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة ) تقدم ذلك للمصنف ، ونقله صاحب القوت عن ثابت البناني ، وعن عتبة الغلام ، ورأيته في الحلية في ترجمة ثابت : كابدت الليل بدل القرآن ، ( ولا يصدر التنعم )