تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
مع حضور القلب ، فأما الذكر باللسان والقلب لاه فهو قليل الجدوى . وفي الأخبار ما يدل عليه أيضا ، وحضور القلب في لحظة بالذكر والذهول عن اللّه عز وجل مع الاشتغال بالدنيا أيضا قليل الجدوى . بل حضور القلب مع اللّه تعالى على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على العبادات بل به تشرف سائر العبادات ، وهو غاية ثمرة العبادات العملية . وللذكر أول وآخر فأوله يوجب الإنس والحب وآخره يوجب الإنس والحب ويصدر عنه ، والمطلوب ذلك الانس والحب . فإن المريد في بداية أمره قد يكون متكلفا بصرف قلبه ولسانه عن الوسواس إلى ذكر اللّه عز وجل ، فإن وفق للمداومة أنس به وانغرس في قلبه حب المذكور . ولا ينبغي أن يتعجب من هذا فإن من المشاهد في
شرح
للذاكر ( هو الذكر على الدوام ) بحفظ ما يقتنيه من المعرفة استحضارا وإحرازا ( مع حضور القلب ) الصنوبري ، ( فأما الذكر باللسان فقط والقلب لاه ) غير حاضر ( فهو قليل الجدوى ) غير مؤثر في الذاكر . ( وفي الأخبار ) المروية ( ما يدل على ذلك أيضا ) فمن ذلك في حديث أبي هريرة « واعلموا أن اللّه لا يقبل الدعاء من قلب لاه » رواه الترمذي وقال : حسن ، والحاكم وقال : حديث مستقيم الإسناد ، والمراد بالدعاء هنا الذكر ، ( وحضور القلب في لحظة مع الذكر ) وفي نسخة : بالذكر ، ( والذهول عن اللّه ) عز وجل ( مع الاشتغال بالدنيا ) أي بأعراضها المتعلقة بها ( أيضا قليل الجدوى ، بل حضور القلب مع اللّه عز وجل على الدوام ) في سائر أوقاته ( أو في أكثر الأوقات هو المقدم على العبادات ) كلها ، وحينئذ يكون حضوره مع الحق ومع الخلق بالنسبة إليه سواء ، ( بل به تشرف سائر العبادات ) لكونه نتيجتها وروحها ، وإليه أشار بقوله : ( وذلك هو غاية ثمرة العبادات العملية ) بدنية كانت أو مالية أو مركبة منهما . ( وللذكر أول وآخر فأوله يوجب الإنس ) بالمذكور ( والحب ) فيه ولو تكلفا ( وآخره يوجبه الإنس والحب ) تخلقا وانصباغا ( ويصدر عنه ) أي عن مجموع الإنس والحب وفي نسخة عنهما ، ( والمطلوب ) الأعظم عند السالكين من الذكر ( هو ذلك الحب والإنس ) لا غير ، وهذا الحب والإنس يكونان وسيلتين إلى ذكر الروح وهو غلبة حضور الحق على الحضور مع الخلق ، بل إلى ذكر السر وهو أن لا يكون له حضور مع غير الحق ولا يكون له خبر عن الكون ، ( فإن المريد في بداية الأمر ) وأول وضع قدمه في السلوك ( قد يكون متكلفا بصرف قلبه ولسانه عر الوسواس ) النفسي والخاطر الشيطاني ( إلى ذكر اللّه عز وجل ، فإن وفق للمداومة ) على هذا التكلف ( أنس به وانغرس في قلبه حب المذكور ) وذهب ذلك التكلف عنه بالكلية ، ولكن هذا المقام لا يحصل إلا بالمداومة على ما أشار له مربيه بأن لا يتركه في سائر شؤونه ، ومما يعرض له في أثناء ذلك كيفية متخيلة فليفرضها كالخط المستقيم ، فإن تخيل هذا المعنى وشغل الخيال بأمر واحد ممد للجمعية . وقال بعض الأكابر : إذا تغيرت شعرة من بدنك بواسطة الحال وتأثرت ينبغي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 217 | مرتضى الزبيدي