تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
عليك أنت كما أثنيت على نفسك » أنه قيل له : اسجد واقترب فوجد القرب في السجود فنظر إلى الصفات فاستعاذ ببعضها من بعض ، فإن الرضا والسخط وصفان ، ثم زاد قربه فاندرج القرب الأول فيه فرقي إلى الذات فقال : « أعوذ بك منك » ثم زاد قربه بما استحيا به من الاستعاذة على بساط القرب فالتجأ إلى الثناء فأثنى بقوله : « لا أحصي ثناء عليك » . ثم علم أن ذلك قصور فقال : « أنت كما أثنيت على نفسك » . فهذه خواطر تفتح لأرباب القلوب ثم لها أغوار وراء هذا وهو فهم معنى القرب . واختصاصه
شرح
وأما فهم بعض أرباب القلوب من هذا الدعاء ( انه قيل له ) صلّى اللّه عليه وسلم في خطاب اللّه عز وجل إليه :كَلَّا لا تُطِعْهُ وَ ( اسْجُدْ وَاقْتَرِبْ )فعلم منه أن السجود محل القربة من اللّه تعالى لأنه تنزيه بما يستحقه اللّه تعالى من العلوّ والرفعة عن صفات المحدثين وتحقيق بما عليه العبد من الذل والاستكانة ، ( فوجد القرب في السجود ) ولذا قال لمن سأله القرب منه أعني بكثرة السجود ، ( فنظر إلى الصفات فاستعاذ ببعضها من بعض ، فإن الرضا والسخط وصفان ) منبثان عن مشاهدة الأفعال ومصادرها منه تعالى فقط ، فكأنه لم ير إلا اللّه فقط وأفعاله ، ( ثم ) لما رأى ذلك نقصا في التوحيد ( زاد قربه ) فاندرج القرب الأول فيه ( فرقي ) من مقام مشاهدة الصفات ( إلى ) مقام مشاهدة ( الذات فقال : « أعوذ بك منك » ) وهذا فرار منه إليه من غير رؤية فعل وصفة بل رأى نفسه فارا منه إليه ففني عن مشاهدة نفسه ، ( ثم زاد قربه ) فاندرج القرب الثاني فيه ( بما استحيا به من الاستعاذة على بساط القرب فالتجأ إلى الثناء فاثنى بقوله « لا أحصي ثناء عليك » ) فأخبر عن فناء نفسه وخروجه عن مشاهدة غيره ، ( ثم علم أن ذلك قصور فقال « أنت كما أثنيت على نفسك » ) فأخبر أنه المثني والمثنى عليه ، وان الكل منه بدأ واليه يعود وكل شيء هالك إلا وجهه ، فكان أول مقامه نهاية مقام الموحدين وهو أن لا يرى إلا اللّه وأفعاله هذا ما فهم البعض المذكور ، وفسرنا كلامه من جنس كلامه الموافق لذوقه الذي ذاقه ، وصرح به المصنف في مواضع من مصنفاته بعبارات مختلفة تؤول إلى هذا الذي ذكرته هنا . ومن ذلك قال المصنف في المقصد الأسنى : نهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة ومعرفتهم بالحقيقة أنهم لا يعرفونه ، وأنه يستحيل أن يعرف اللّه المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا اللّه تعالى ، فإذا انكشف لهم ذلك انكشافا برهانيا فقد عرفوه أي بلغوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته وهو الذي عناه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ولم يرد به ، أنه عرف منه ما لا يطاوعه لسانه في العبارة عنه ، بل معناه إني لا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك ، وإنما أنت المحيط بها وحدك ، فإذا لا يحيط مخلوق من ملاحظة حقيقة ذاته إلا بالحيرة والدهشة . وأما اتساع المعرفة فإنما يكون في معرفة أسمائه وصفاته ، ( فهذا خاطر يفتح لأرباب القلوب ) المنورة والبصائر المقدسة ، ( ثم لها أغوار وراء هذا ) الذي ذكر ، ( وهو فهم معنى