تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
في استكشاف أسرار هذا المعنى وما يرتبط بمقدماته ولواحقه لانقضى العمر قبل استيفاء جميع لواحقه . وما من كلمة من القرآن إلا وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك ، وإنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم وتوفر دواعيهم على التدبر وتجردهم للطلب ، ويكون لكل واحد حد في الترقي إلى درجة
شرح
وجود الأشياء ، وينطلق عليه اسم القدرة لأنه يناسب قدرتنا مناسبة لذة الجماع بالسكر ، وهو بمعزل عن حقيقة تلك القدرة . نعم كلما ازداد العبد إحاطة بتفاصيل المقدورات وعجائب الصنائع في ملكوت الأرض والسماوات كان حظه من صفة القدرة أوفر ، لأن الثمرة تدل على المثمر ، وإلى هذا يرجع تفاوت معرفة العارفين ، وبه تعرف أن من قال : لا أعرف إلا اللّه فقد صدق ، ومن قال : لا أعرف اللّه فقد صدق فإنه ليس في الوجود إلا اللّه وأفعاله ، فإذا نظر إلى أفعاله من حيث هي أفعاله ، وكان مقصور النظر عليه ولم يرها من حيث أنها سماء وأرض وشجر ، بل من حيث إنها صنعته فلم تجاوز معرفته حضرة الربوبية فيمكنه أن يقول : ما أعرف إلا اللّه ، ولو تصور شخص لا يرى إلا الشمس ونورها المنتشر في الآفاق يصح أن يقول : ما أرى إلا الشمس فإن النور الفائض منها هو من جملتها ليس خارجا منها ، وكل ما في الوجود نور من أنوار القدرة الأزلية ، وأثر من آثارها ، وكما أن الشمس ينبوع النور الفائض على كل مستنير ، فكذلك المعنى الذي قصرت العبارة عنه فعبر عنه بالقدرة الأزلية للضرورة هو ينبوع الوجود الفائض على كل موجود ، فليس في الوجود إلا اللّه تعالى ، فيجوز أن يقول العارف : ما أعرف إلا اللّه تعالى . ومن العجائب أن يقول : لا أعرف إلا اللّه تعالى ويكون صادقا ، ويقول : لا أعرف اللّه ويكون أيضا صادقا ، ولكن ذلك بوجه وهذا بوجه ، ولو كذبت المتناقضات ، إذا اختلف وجود الاعتبارات لما صدق قوله تعالىوَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمىولكنه صادق لأن للرمي اعتبارين وهو منسوب إلى العبد بأحدهما ومنسوب إلى الرب بالثاني ، ولا تناقض فيه . ولنقبض عنان الكلام فقد خضنا لجة بحر لا ساحل له ، وأمثال هذه الأسرار لا ينبغي أن تبذل بايداع الكتب ، واللّه اعلم . ( ولعل العمر لو أنفق ) أي صرفت مدته ( في استكشاف أسرار هذا المعنى ) الذي ذكر ، ( وما يرتبط بمقدماته ولواحقه ) التي منها معرفة درجات الكمال ، ثم معرفة الرغبة في طلبه كيف يكون معرفة تماثل الضدين ، ومعرفة ان واجب الوجود هل يرجع معناه إلى سلب السبب عنه أو إلى إضافة الافعال إليه ، وما نهاية معرفة العارفين ، وكيف تفاوت درجاتهم ، وهل معرفته بالصفات معرفة تامة حقيقية أم لا وغير ذلك من العلوم التي تتعلق به ، ( لا نقطع قبل استيفاء جميع لواحقه ) لكثرتها وصعوبتها ، ( وما من كلمة من ) كلمات ( القرآن إلا وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك ) لما سبق ان لكل كلمة من كلماته أربعة علوم ، ( وإنما ينكشف للراغبين في العلم ) الإلهي النافع المعرضين عن علوم الدنيا ( من أسراره ) وحقائقه ومعانيه ( بقدر غزارة علومهم ) أي كثرتها ( وصفاء قلوبهم ) بأنوار اليقين ، ( وتوفر دواعيهم على التدبر ) في معانيه ( وتجردهم للطلب ) أي للسلوك ، وكذا تجرد الهم من تعلق بخلق وخلو النفس من الهوى
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 175 | مرتضى الزبيدي