أعلى منه ، فأما الاستيفاء فلا مطمع فيه ولو كان البحر مدادا والأشجار أقلاما فأسرار كلمات اللّه لا نهاية لها ، فتنفد الأبحر قبل أن تنفد كلمات اللّه عز وجل ، فمن هذا الوجه تتفاوت الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير وظاهر التفسير لا يغني عنه ، ومثاله : فهم بعض أرباب القلوب من قوله صلّى اللّه عليه وسلم في سجوده : « أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء
شرح
فأولئك يشهدهم تلك المعاني من علو مقامهم في مكان ما أظهر لهم من العلم به ونصيب ما قسم لهم من العقل منه ، ( ويكون لكل واحد حد في الترقي إلى درجة منه ) فهم متفاوتون في الاشهاد والفهوم حسب تفاوتهم في الأنصبة من العقول والعلوم .
( فأما الاستيفاء فلا مطمع فيه ) لأحد ( ولو كان البحر مدادا ) لكتابته ( والأشجار أقلاما ) تبرى كما تبرى الأقلام يستمد بها على الكتابة ، ( فأسرار كلمات اللّه لا نهاية لها ) ومنها معلوماته ومقدوراته لا نهاية لها ( فتنفد ) أي تفنى ( الأبحر ) الممدة للكتابة ( قبل أن تنفد كلمات اللّه عز وجل ) ، وهذا الكلام مضمن قوله تعالىقُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً[ الكهف : 109 ] الآية وقد سبق ذلك ، ( فمن هذا الوجه تتفاوت الخلق في الفهم ) على قدر تفاوتهم في المعرفة ( بعد الاشتراك في ظاهر التفسير وظاهر التفسير لا يغني عنه ) أي لا بدّ من تحصيله أوّلا وإلا كان عاجزا .
( ومثاله : فهم بعض أرباب القلوب من قوله صلّى اللّه عليه وسلم في سجوده ) فيما رواه الستة إلا البخاري من حديث عائشة رضي اللّه عنها قالت : فقدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو بالمسجد وهما منصوبتان وهو يقول « اللهم إني ( أعوذ برضاك من سخطك ) أي بما يرضيك عما يسخطك ، ( وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ) استعاذ بمعافاته بعد استعاذته برضاه لأنه يحتمل أن يرضى عنه من جهة حقوقه ويعاقبه على حقوق غيره ، ( وأعوذ بك منك ) أي برحمتك من عقوبتك . فإن ما يستعاذ منه عن مشيئته وخلقه بإذنه وقضائه ، فهو الذي سبب الأسباب التي يستعاذ منها خلقا وكونا ، وهو الذي يعيذ منها ويدفع شرها خلقا وكونا فمنه السبب والمسبب وهو الذي حرك الأنفس والأبدان وأعطاها قوى التأثير ، وهو الذي أوجدها وأمرها وهو الذي يمسكها إذا شاء ويحول بينها وبين قواها وتأثيرها ، فتأمل ما تحت قوله : هذا من محض التوحيد وقطع الالتفات إلى غيره وتكميل التوكل عليه وافراده بالاستعاذة وغيرها . ( لا أحصي ) أي لا أطيق ( ثناء عليك ) في مقابلة نعمة واحدة من نعمك ، والغرض منه الاعتراف بتقصيره عن أداء ما وجب عليه من حق الثناء عليه تعالى ( أنت كما أثنيت على نفسك » ) وهذا اعتراف بالعجز عن التفصيل فوكله إلى اللّه سبحانه ، وكما أنه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه . هذا الذي ذكرناه هو تفسير أهل الظاهر ذكره القاضي أبو بكر بن العربي وغيره من العلماء .