تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
شرح
ووكيع بن الجراح ، وشعبة بن الحجاج ، ويزيد بن هارون ، وعبد الرزاق ، وآدم بن أبي إياس ، وإسحاق بن راهويه ، وروح بن عبادة ، وعبد بن حميد ، وأبي بكر بن أبي شيبة وآخرين . وبعدهم تفسير ابن جرير الطبري ، وهو أجل التفاسير وأعظمها ، ثم ابن أبي حاتم ، والحاكم ، وابن مردويه ، ثم ابن أبي الشيخ ، وابن المنذر في آخرين وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين واتباعهم ، وليس فيها غير ذلك إلا ابن جرير فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض والاعراب والاستنباط فهو يفوقها بذلك . ثم ألف التفسير جماعة فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال بتراء فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل ، ثم صار كل من يسنح له قول يورده ومن يخطر بباله شيء يعتمده ، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ظانا ان له أصلا غير ملتفت إلى تحرير ما روي فيه عن السلف الصالح ، حتى أن بعضهم حكى في تفسير قوله تعالىغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَنحو عشرة أقوال . وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم ، حتى قال ابن أبي حاتم لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين ، ثم صنف بعد ذلك قوم برعوا في علوم ، فمنهم المقتصر في تفسيره على الفن الذي يغلب عليه كالزجاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر والنهر والسمين ، وغيرهم اقتصروا في تفاسيرهم على الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه ونقلوا فيها قواعد النحو ومسائله وخلافياته ، وكالثعلبي ليس له في تفسيره إلا القصص والاخبار عمن سلف ، سواء كانت صحيحة أو باطلة ، وكالقرطبي سرد في تفسيره الفقه من الطهارة إلى أمهات الأولاد ، وربما استطرد فيه إلى إقامة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية أصلا والجواب عن حجج المخالفين . وكالفخر الرازي ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وتتبعها حتى خرج من شيء إلى شيء يقضي الناظر العجب من عدم مطابقة المورد للآية ولذلك قال بعض العلماء : فيه كل شيء إلا التفسير . وأما المبتدع فليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها إلى مذهبه الباطل بحيث أنه متى لاح له شاردة من بعيد اقتنصها أو وجد موضعا له فيه أدنى مجال سارع إليه . ومنهم صاحب الكشاف فقد حشا في تضاعيف تفسيره مذاهب الاعتزال وحسنها وتحامل على أهل السنة ، وجعل الأحاديث المرفوعة مرفوعة تنكيتا على أهل الحديث ، فلا تسأل عن الحاده وافترائه على اللّه ما لم يقله . وأما بعد هؤلاء فارتفع القيد أصلا ومالت الناس إلى الاختصار وأبطلوا الاسناد ، وفسروا بوجوه المعقولات ، ولم يبالوا صحت أو فسدت فأحسن التفاسير على الإطلاق تفسير ابن جرير وهو البحر الذي لا غاية بعده لطالب علم إذ لم يؤلف في قبيله مثله . وقد انتهى بنا القول فيما أردناه من شرح كتاب أسرار تلاوة القرآن ، والحمد للّه الذي بنعمته تتم الصالحات والشكر له على توفيقه لما فيه رضاه على أحسن الحالات ، وأسأله سبحانه ان يمّن عليّ
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 180 | مرتضى الزبيدي