لا يغني عنه ظاهر التفسير وهو أن يعلم وجه ارتباط الأفعال بالقدرة الحادثة . ويفهم وجه ارتباط القدرة بقدرة اللّه عز وجل حتى ينكشف بعد إيضاح أمور كثيرة غامضة صدق قوله عز وجل :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
ولعل العمر لو أنفق
شرح
التناقض ، ( فحقيقة هذا يستمد من ) التوغل في ( بحر عظيم من علوم المكاشفات لا يغني عنه ظاهر التفسير وهو أن يعلم وجه ارتباط الأفعال ) كلها أولا ( بالقدرة الحادثة ) التي اتصف بها العبد ، ( ويفهم ) ثانيا ( وجه ارتباط ) هذه ( القدرة الحادثة بقدرة اللّه عز وجل ) على ما سبق تفصيله في شرح كتاب ( قواعد العقائد ) ( حتى ينكشف بعد إيضاح علوم كثيرة غامضة ) عن افهام أكثر الخلق وهي من علوم المكاشفة ( صدق قوله عز وجلوَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى) وقد ألم المصنف بهذا المبحث في كتابه المقصد الأسنى ، وأطال في تصوير المسألة ، ونحن نختصر ذلك ونقتصر منه على القدر الذي يناسب سياق الكتاب .
قال : فإن قلت : فما السبيل إلى معرفة اللّه تعالى ؟ فأقول : لو قال لنا صبي أو عنين ما السبيل إلى معرفة لذة الجماع ، وإدراك حقيقته ؟ قلنا : ههنا سبيلان ، أحدها : نصفه لك حتى تعرفه ، والثاني تصبر حتى تظهر فيك غريزة الشهوة ، ثم تباشر الجماع حتى تظهر فيك لذته فتعرفه ، وهذا السبيل الثاني هو المحقق المفضي إلى حقيقة المعرفة ، فأما الأول فلا يفضي إلا إلى توهم الشيء بما لا يشبهه إذ غايتنا أن نمثل له لذة الجماع عنده بشيء من اللذات التي يدركها العنين كلذة الطعام الحلو مثلا ، أفترى أن هذا يفهم حقيقة لذة الجماع كما هي حتى ينزل من معرفتها منزلة من ذاق تلك اللذة وأدركها هيهات هيهات ! إنما غاية هذا الوصف إيهام وتشبيه ومشاركة في الاسم ، لكن يقطع التشبيه بأن يقاللَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌفهو حي لا كالأحياء قادر لا كالقادرين ، كما يقال : الجماع لذيذ كالسكر ، ولكن تلك اللذة لا تشبه هذه البتة ، ولكن تشاركها في الاسم ، وكأنا إذا عرفنا أن اللّه تعالى حي قادر عالم فلم نعرف أولا إلا بأنفسنا فإذا قال القائل : كيف يكون اللّه تعالى عالما بالأشياء ؟ فنقول : كما تعلم أنت أشياء . فإذا قال : كيف يكون قادرا ؟ فنقول : كما تقدر أنت فلا يمكنه أن يفهم شيئا إلا إذا كان فيه ما يناسبه ، فيعلم أولا ما هو متصف به ، ثم يعلم غيره بالمناسبة إليه . فهذه معرفة قاصرة يغلب عليها الإيهام والتشبيه ، فينبغي أن يقترن بها المعرفة بنفي المشابهة أصلا ، وبنفي أصل المناسبة مع المشاركة في الاسم ، ثم أطال في تصوير ذلك .
ثم قال في تفاوت درجات العارفين في المعرفة ، إعلم أن للمعرفة سبيلين .
أحدهما : السبيل الحقيقي ، وذلك مسدود إلا في حق اللّه تعالى ، فلا يهتز أحد من الخلق لنيله وإدراكه إلا ردته سبحات جلاله إلى الحيرة .
وأما السبيل الثاني : وهو معرفة الصفات والأسماء ، فذلك مفتوح للخلق وفيه تتفاوت مراتبهم ، ثم أطال في تصوير ذلك إلى أن قال : وهذه المعرفة أعني بطريق الصفات والأسماء لا تكون بالكمال في الحقيقة إلا للّه عز وجل ، فالحاصل عندنا من قدرة اللّه تعالى أنه وصف ثمرته وأثره