فإذا سمعه في موضع آخر مال برأيه إلى ما سمعه من مشهور معناه ، وترك تتبع النقل في كثير معانيه . فهذا ما يمكن أن يكون منهيا عنه دون التفهم لأسرار المعاني - كما سبق - فإذا حصل السماع بأمثال هذه الأمور علم ظاهر التفسير وهو ترجمة الألفاظ ، ولا يكفي ذلك في فهم حقائق المعاني ويدرك الفرق بين حقائق المعاني وظاهر التفسير بمثال : وهو أن اللّه عز وجل قال :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] فظاهر تفسيره واضح وحقيقة معناه غامض ، فإنه إثبات للرمي ونفي له وهما متضادان في الظاهر ما لم يفهم أنه رمى من وجه ولم يرم من وجه ومن الوجه الذي لم يرم رمى اللّه عز وجل .
وكذلك قال تعالى :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
[ التوبة : 14 ] فإذا كانوا هم المقاتلين كيف يكون اللّه سبحانه هو المعذب وإن كان اللّه تعالى هو المعذب بتحريك أيديهم فما معنى أمرهم بالقتال ؟ فحقيقة هذا يستمد من بحر عظيم من علوم المكاشفات
شرح
المعنى الأشهر منه ) وهو اتباع الأنبياء عليهم السلام ، ( فيميل طبعه ورأيه إليه ) فيفسره به ، ( فإذا سمعه في موضع آخر مال رأيه إلى ما سمعه من مشهور معناه ) الذي جبل عليه ذهنه ، ( وترك تتبع النقل في كثير معانيه ) بحسب مواقع الاستعمال ، ( فهذا يمكن أن يكون منهيا عنه ) مرادا به في حديث النهي ( دون الفهم لأسرار المعاني كما سبق ) بيانه ، ( فإذا حصل السماع بأمثال هذه الأمور علم ظاهر التفسير وهو ) كناية عن ( ترجمة الألفاظ ) وتأدية المعنى الصحيح الحاصل من قوالب الألفاظ مع مراعاة القواعد ، ( ولا يكفي ذلك في فهم حقائق المعاني ) بل الفهم فيها للخصوص يشهدون فيها بقدر ما قسم لهم من العقل عنها فهم متفاوتون في الأشهاد والفهوم حسب تفاوتهم في الأنصبة من العقول والعلوم . إذ القرآن عموم وخصوص ومحكم ومتشابه وظاهر وباطن ، فعمومه لعموم الخلق وخصوصه لخصوصهم ، وظاهره لأهل الظاهر وباطنه لأهل الباطن واللّه واسع عليمفَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، ( ويدرك الفرق بين حقائق المعاني وظاهر التفسير بمثال وهو أن اللّه عز وجل قال ) في كتابه العزيزوَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى[ الأنفال : 17 ] خاطب به نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، ( فظاهر تفسيره واضح ) حيث نفى الرمي عنه ، وأثبت الرمي له جل جلاله إذ كل شيء فتحت حيطة قدرته وأمره ، ( وحقيقة معناه غامض ) إذا تأمله المتأمل ، ( فإنه إثبات للرمي ) بقوله :إِذْ رَمَيْتَ( ونفي له ) بقولهوَما رَمَيْتَ( وهما ) أي الإثبات والنفي ( متضادان ) أي لا يجتمعان معا ( في الظاهر ما لم يفهم أنه رمى من وجه ولم يرم من وجه ومن الوجه الذي لم يرم رمى اللّه تعالى ) ، فينتفي التضاد حينئذ ، ( وكذلك قول اللّه تعالىقاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ[ التوبة : 14 ] فإذا كانوا ) أي المؤمنون ( هم المقاتلين ) أي المأمورين بقتالهم ( كيف يكون اللّه تعالى هو المعذب وإن كان اللّه تعالى هو المعذب ) كما ثبت في ظاهر الآية ، ومعنى بأيديهم أي ( بتحريك أيديهم ، فما معنى أمرهم بالقتال ) ؟ فعند التأمل فيه