تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
الْقُرْآنُ
[ البقرة : 185 ] إذ لم يظهر أنه ليل أو نهار ، وبان بقوله عز وجل :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
[ الدخان : 3 ] ولم يظهر به أي ليلة فظهر بقوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
[ القدر : 1 ] وربما يظن في الظاهر الاختلاف بين هذه الآيات . فهذا وأمثاله مما لا يغني فيه إلا النقل والسماع ، فالقرآن من أوّله إلى آخره غير خال عن هذا الجنس لأنه أنزل بلغة العرب ، فكان مشتملا على أصناف كلامهم من إيجاز وتطويل وإضمار وحذف وإبدال وتقديم وتأخير ليكون ذلك مفحما لهم ومعجزا في حقهم ، فكل من اكتفى بفهم ظاهر العربية وبادر إلى تفسير القرآن ولم يستظهر بالسماع والنقل في هذه الأمور فهو داخل فيمن فسّر القرآن برأيه . مثل أن يفهم من الأمة المعنى الأشهر منه فيميل طبعه ورأيه إليه ،
شرح
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ[ البقرة : 185 ] إذ لم يظهر منه ) إلا أن القرآن أنزل في شهر رمضان ، وهذا هو البيان الأول ولم يفهم ( أنه ليل أو نهار ) أي نهارا أنزل فيه أو ليلا ( فبان بقولهإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ) [ الدخان : 3 ] أنه أنزل ليلا وهذا هو البيان الثاني ( ولم يظهر ) منه إلا أنه أنزل في ليلة مباركة ، ولم يدر ( أي ليلة هي ، فظهر بقولهإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [ القدر : 1 ] وهذا هو البيان الثالث وهو غاية البيان ، ( وربما يظن في الظاهر الاختلاف بين هذه الآيات ) وليس كذلك وبمعناه قوله عز وجلوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ[ القصص : 14 ] فهذا البيان الأول زيادة على الأشد فغير مفسر ، ثم قال في البيان الثاني حتى إذا بلغ أشده ، وبلغ أربعين سنة ، ففسر الأشد بالأربعين إذا كانت للمدح والوصف في أحد الوجهين . ( فهذا وأمثاله ) في القرآن كثير ، وإنما وقع التنبيه بالقليل على الكثير ليستدل بما ذكر على نحوه ، ويتطرق به إلى غيره و ( لا يغني فيه إلا النقل والسماع ) والتلقي من أفواه من له أهلية تامة فيه ، ( والقرآن من أوله إلى آخره غير خال عن هذا الجنس لأنه أنزل بلغة العرب ) الذين هم أفضل الخليفة الإنسانية ولغتهم أشرف اللغات ، ( فكان مشتملا على أصناف كلامهم ) ومعاني استعمالهم ووجوه استحسانهم ( من إيجاز ) لفظ ( وتطويل ) البيان ( وإضمار ) لنكتة ( وحذف ) لفائدة ، ( وإبدال ) لرعاية ( وتقديم ) لشرف ، ( وتأخير ) لتحسين ، وكله فصيح بليغ لأن وصف البلاغة عندهم رد الكثير المنشور إلى القليل المجمل وبسط القليل المجمل إلى المثبوت المفسر ، ( ليكون ذلك مفحما ) أي مسكتا ( لهم ) عند التحدي ، ( ومعجزا في حقهم ) وحجة عليهم من حيث يعقلون لأنه أمرهم فيه بما يعلمون وما يستحسنون حكمة منه ولطفا ، ( فكل من اكتفى ) فيه ( بفهم ظاهر العربية ) من معرفة التجويد والإعراب ولم يترشح بالأدوات والآلات التي تقدم ذكرها ( وبادر إلى تفسير القرآن ولم يستظهر ) مع ذلك ( بالسماع ) من أهله ، ( والنقل ) الصحيح من الطرق المقبولة ( في هذه الأمور ) التي ذكرت ، ( فهو داخل فيمن فسر القرآن برأيه ) ، ومثل هذا ولو أصاب فقد أخطأ ( مثل أن يفهم من لفظ الأمة