ومنها : المبهم وهو اللفظ المشترك بين معان من كلمة أو حرف . أما الكلمة فكالشيء والقرين والأمة والروح . ونظائرها قال اللّه تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
[ النحل : 75 ] أراد به النفقة مما رزق . وقوله عز وجل :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
[ النحل : 76 ] أي الأمر بالعدل والاستقامة . وقوله عز وجل :
فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ
[ الكهف : 70 ] أراد به من صفات الربوبية وهي العلوم التي لا يحل السؤال عنها حتى
شرح
( ومنها ) المكنى ( المبهم ) المشتبه ( وهو ) أي المبهم ( اللفظ المشترك بين معان ) مختلفة ( من كلمة أو حرف ) ، اعلم أن معرفة الوجوه والنظائر في الكتاب العزيز أمر مهم ، وقد صنف فيه غير واحد من المتقدمين والمتأخرين ، فالوجوه في اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان كلفظ الأمة والنظائر كالألفاظ المتواطئة ، وقيل : النظائر في اللفظ والوجوه في المعاني وضعف لأنه لو أريد هذا لكان الجميع في الألفاظ المشتركة ، وهم يذكرون في تلك الكتب اللفظ الذي معناه واحد في مواضع كثيرة فيجعلون الوجوه نوعا لأقسام ، والنظائر نوعا آخر وقد جعل بعضهم ذلك من أنواع معجزات القرآن حيث كانت الكلمة الواحدة إلى عشرين وجها وأكثر وأقل ، ولا يوجد ذلك في كلام البشر ، وقد تقدم من قول أبي الدرداء رضي اللّه عنه لا يكون الرجل فقيها حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة ، وقد يروى مرفوعا ، وتقدم ما المراد منه وقد فسره بعضهم بأن المراد أن ترى اللفظ الواحد يحتمل معاني متعددة فيحمله عليها إذا كانت غير متضادة ولا يقتصر به على معنى واحد وإليه أشار المصنف بقوله :
( أما الكلمة فكالشيء والقرين والأمة والروح ونظائرها ) منها الهدى والصلاة والسوء والرحمة والفتنة والقضاء والذكر والدعاء والإحصان . ( قال اللّه تعالىضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ[ النحل : 75 ] أراد به ) أي بالشيء هنا ( النفقة مما رزق ) ولفظ القوت الإنفاق مما رزق اللّه . ( وقال تعالى ) بعدهوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ[ النحل : 76 ] ( أي الأمر بالعدل والاستقامة ) على الهدى ، فالمراد بالشيء هنا غير الذي اراده في الأول ( وقال تعالى ) اخبارا عن قول الخضر لموسى عليهما السلام :( فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ )[ الكهف : 70 ] هذا الموضع وصف مخصوص ( أراد به من صفات الربوبية ) من العلم الذي علمه الخضر من لدنه :
( وهي العلوم التي لا يحل السؤال عنها حتى يبتدئ بها للعارف في أوان الاستحقاق ) ، فلذلك كنى عنه .
قال صاحب القوت : وكذلك العلم على ضربين ضرب لا يصلح أن يبتدئ به حتى يسأله عنه وهو مما لا يضيق علمه فلذلك وسع جهله وحسن كتمه ، وعلم لا ينبغي أن يسأل عن معاني صفات التوحيد ونعوت الوحدانية لا يوكل إلى العقول بل يخص به المراد المحمول بعلم الخضر الذي شرط