شرح
الكلام قوله تعالى :لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ[ الانشقاق : 19 ] في قراءة من وحد الفعل وهو متصل بقوله :يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِلَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍوكذلك هو في قراءة من جمع فقال لتركبن ، ويكون الإنسان في معنى الناس ويكون الجمع عطفا على المعنى وإنما وحد للجنس فكأنه قال : يا أيها الناس فأخر هذا الخبر لما توسطه من الكلام المتصل بالقصة ومعناه التقديم وكذلك قوله تعالى :وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ[ الأنفال : 73 ] إنما هو من صلة قوله :وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُإِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ[ الأنفال : 72 ] ومن ذلك قوله تعالى :وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ[ المائدة : 3 ] هذا متصل بقوله :حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ[ المائدة : 3 ] إلى آخر المحرمات ، ثم قال :فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍيعني مجاعة إلى هنا نص ما في القوت .
وذكر السيوطي في الإتقان من أمثلة القسم الأول : وهو ما أشكل معناه بحسب الظاهر أنه من باب التقديم والتأخير قوله تعالىوَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها[ البقرة : 72 ] قال البغوي هذا أول القصة وإن كان مؤخرا في التلاوة ومنه قوله تعالىأَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ[ الجاثية :
23 ] والأصل هواه إلهه لأن من اتخذ إلهه هواه فغير مذموم وقوله تعالىأَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى[ الأعلى : 4 ، 5 ] والمعنى أخرجه أحوى أي أخضر فجعله غثاء ، وأخر رعاية للفاصلة ، وقوله تعالىوَغَرابِيبُ سُودٌ[ فاطر : 27 ] الأصل سود غرابيب لأن الغربيب الشديد السواد وقوله تعالىفَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها[ هود : 71 ] أي فبشرناها فضحكت وقوله تعالىوَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ[ يوسف : 24 ] قيل : المعنى على التقديم والتأخير أي لولا أن رأى برهان ربه لهم بها وعلى هذا فالهم ينفى عنه .
وأما القسم الثاني من أقسام التقديم والتأخير ، فقد ذكر الشيخ شمس الدين ابن الصائغ في كتابه المقدمة في سر الألفاظ المقدمة تفاصيل لأسباب التقديم وأسراره وقال ظهر لي منها في الكتاب العزيز عشرة أنواع .
الأول : التبرك ، الثاني : التعظيم ، الثالث : التشريف ، الرابع : المناسبة لسياق الآية . الخامس :
الحث عليه حذرا من التهاون به . السادس : السبق وهو ما في الزمان باعتبار الإيجاد أو باعتبار الإنزال أو باعتبار الوجوب والتكليف ، السابع : السببية . الثامن : الكثرة . التاسع : الترقي من الأدنى إلى الأعلى . العاشر : التدلي من الأعلى إلى الأدنى . ثم ذكر لها أمثلة وأطال في كل نوع منها الكلام وزاد غيره أسبابا أخر منها كونه أدل على القدرة وأعجب ، ومنها رعاية الفواصل ، ومنها إفادة الحصر للاختصاص . وقد يقدم لفظ في موضع ويؤخر في آخر ، ونكتة ذلك إما لكون السابق في كل موضع يقتضي ما وقع فيه واما لقصد البداءة والختم به للاعتناء بشأنه ، وأما القصد التفنن في الفصاحة وإخراج الكلام على عدة أساليب واللّه أعلم .