إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 162
فحذف الألسنة . وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] أراد القرآن وما سبق له ذكر . وقال عز وجل : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ ص : 32 ] أراد الشمس وما سبق لها ذكر وقوله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ الخامس : ان لا يكون عاملا ضعيفا ، فلا يحذف الجار والناصب للفعل والجارة إلا في مواضع قويت فيها الدلالة وكثر فيها استعمال تلك العوامل . السادس : أن لا يكون عوضا عن شيء ولذا لم يحذفوا التاء من إقامة واستقامة ، وأما وأقام الصلاة فلا يقاس عليه ولا خبر كان لأنه عوض أو كالعوض عن مصدرها . السابع : أن لا يؤدي حذفه إلى تهيئة العامل القوي ، ومن ثم لم يقس على قراءة وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [ النساء : 95 ] . فائدة : اعتبر الأخفش في الحذف التدريج حيث أمكن ولهذا قال في قوله : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً * [ التوبة : 48 ] أن الأصل لا تجزي فيه بحذف حرف الجر ، فصار تجزيه ، ثم حذف الضمير فصار تجزي وهذه ملاطفة في الصناعة ، ومذهب سيبويه أنهما حذفا معا . قال ابن جني : وقول الأخفش أوفق في النفس وآنس من أن يحذف الحرفان معا في وقت واحد . مهمة : قال الشيخ عز الدين : ولا يقدر من الحروف إلا أشدها موافقة للغرض وأفصحها ، لأن العرب لا يقدرون إلا ما لو لفظوا به لكان أحسن وأنسب ، لذلك الكلام كما يفعلون ذلك في الملفوظ به نحو : جعل اللّه الكعبة البيت الحرام قياما للناس قدّر أبو علي جعل اللّه نصب الكعبة ، وقدر غيره حرمة الكعبة وهو أولى لأن تقدير الحرمة في الهدي والقلائد والشهر الحرام لا شك في فصاحته وتقدير النصب فيها بعيد من الفصاحة . قال : ومهما تردد المحذوف بين الحسن والأحسن وجب تقدير الأحسن لأن اللّه تعالى وصف كتابه بأنه أحسن الحديث ، فليكن محذوفه أحسن المحذوفات كما أن ملفوظه أحسن الملفوظات . ثم نرجع إلى شرح كلام المصنف قال رحمه اللّه تعالى : ( وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) [ القدر : 1 ] هو من المكني المضمر ( أراد القرآن ) فكنى عنه ( وما سبق له ذكر و ) كذلك ( قوله تعالى حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ ص : 32 ] أراد ) توارت ( الشمس ) يحجاب الليل فكنى عنها ، ( وما سبق لها ذكر ) . واختلف في حذف الفاعل هل يجوز أم لا ؟ فمنهم من قال لا يجوز إلا في فاعل المصدر نحو : لا يسأم الإنسان من دعاء الخير أي دعائه الخير ، وجوزه السبكي مطلقا لدليل . وخرج عليه حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ أي الشمس وقوله إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ [ القيامة : 26 ] أي الروح ( و ) من أمثلة المضمر المختصر ( قوله تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ ) [ الزمر : 3 ] مضمرة ( أي يقولون ما نعبدهم ) ومثله