وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
[ الواقعة : 82 ] أي شكر رزقكم وقوله عز وجل :
آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ
[ آل عمران : 194 ] أي على ألسنة رسلك
شرح
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ[ الواقعة : 82 ] أي شكر رزقكم ) فحذف المضاف وكذلك قوله تعالىبَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً[ إبراهيم : 28 ] أي شكر نعمة اللّه كفرا بها ، والصحيح ان في الآية الأولى حذف ثلاثة مضافات والمعنى بدل « شكركم » « رزقكم » وهو من القسم الثالث من أقسام الاختزال الذي حذف فيها أكثر من كلمة ونحو ذلك قولهفَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى[ النجم : 9 ] المعنى فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب فحذف ثلاثة من اسم كان وواحد من خبرها ، ( و ) من المحذوف المضمر ( قوله تعالىوَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ[ آل عمران : 194 ] أي على ألسنة رسلك فحذف الألسنة ) وقولهعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَأي على عهد ملك سليمان فأضمر قوله « عهد » وهذه الآيات التي أوردها المصنف من الأول إلى هنا كلها أمثلة لايجاز الحذف بأقسامه على طريق الإجمال ولا بأس أن نذكر فوائد تتعلق بهذا المبحث .
فمن ذلك ذكر أسباب الحذف منها مجرد الاختصار والاحتراز عن العبث لظهوره ، ومنها التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الاتيان بالمحذوف ، وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم ، وهذه هي فائدة التحذير والاغراء ، ومنها التفخيم والإعظام لما فيه من الإبهام ، ومنها التخفيف لكثرة دورانه في الكلام كما في حذف حرف النداء نحويُوسُفُ أَعْرِضْونون لم يك .
وياء والليل إذا يسر . ومنها شهرته حتى يكون ذكره وعدمه سواء قال الزمخشري وهو نوع من دلالة الحال التي لسانها انطق من لسان المقال ، ومنها صيانته عن ذكره تشريفا كقولهقالَ : فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ * قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ الشعراء : 23 ] الآيات حذف فيها المبتدأ في ثلاثة مواضع ومنها صيانة اللسان عنه تحقيرا عنه نحوصُمٌّ بُكْمٌ *أي هم ، ومنها قصد العموم نحووَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُأي على العبادة ، وعلى الأمور كلها . ومنها رعاية الفاصلة نحوما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى.
وله أسباب أخر غير ما ذكرنا تستفاد من محالها ، ومن ذلك ذكر شروط الحذف وهي سبعة :
أحدها وجود دليل إما حالي نحوقالُوا سَلاماً *أي سلمنا سلاما أو مقالي نحوما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراًأي أنزل خيرا ، ومن الأدلة العقل حيث يستحيل صحة الكلام عقلا إلا بتقدير محذوف ، ثم تارة يدل على أصل الحذف من غير دلالة على تعيينه ، بل يستفاد التعيين من دليل آخر نحوحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ[ المائدة : 3 ] فإن العقل يدل على أنها ليست المحرمة لأن التحريم لا يضاف إلى الإحرام ، وانما هو والحل يضافان إلى الافعال ، فعلم بالعقل حذف شيء ، وأما تعيينه وهو التناول فمستفاد من الشرع ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم « إنما حرم أكلها » لان العقل لا يدرك محل الحل والحرمة ، وأما قول صاحب التلخيص انه من باب دلالة العقل أيضا فتابع فيه السكاكي من غير تأمل أنه مبني على أصول المعتزلة ، وتارة يدل العقل أيضا على التعيين نحووَجاءَ رَبُّكَ[ الفجر :