شرح
أحدها : ايجاز القصر وهو أن يقصر اللفظ في معناه مثاله قوله تعالى :إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَإلى قوله :وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ[ النمل : 31 ] جمع في أحرف العنوان والكتابة والحاجة .
الثاني : ايجاز التقدير وهو أن يقدر معنى زائدا على المنطوق . وسماه ابن مالك في المصباح بالتضييق ، لأنه نقص من الكلام ما صار لفظه أضيق من قدر معناه ، ومثاله قوله :هُدىً لِلْمُتَّقِينَ[ البقرة : 2 ] أي للضالين الصائرين بعد الضلالة إلى التقوى .
الثالث : الايجاز الجامع وهو أن يحتوي اللفظ على معان متعددة ، ومثاله قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ[ النحل : 90 ] الآية ، وقد تقدم ذكرها في الباب الأوّل من هذا الكتاب ومن بديع الايجاز سورة الإخلاص فإنها قد تضمنت الرد على نحو أربعين فرقة ، وقد أفردت بالتأليف ، وقوله تعالى :وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ[ هود : 44 ] الآية ، أمر فيها ونهى وأخبر ونادى ونعت وسمى وأهلك وأبقى وأسعد وأشقى . وقص من الأنباء ما لو شرح ما اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ والبلاغة والايجاز والبيان لجفت الأقلام ، وقد أفردت أيضا بالتأليف ، وقوله تعالى :يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ[ النمل : 18 ] الآية جمع في هذه الآية أحد عشر جنسا من الكلام فادت وكنت ونبهت وسمت وأمرت وقصت وحذرت وخصت وعمت ، وأشارت وعذرت فادت خمس حقوق حق اللّه وحق سليمان وحقها وحق رعيتها وحق جنود سليمان وقوله تعالى :وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ[ البقرة : 179 ] فإن معناه كثير واللفظ يسير لأن معناه إن الإنسان إذا علم أنه متى قتل كان ذلك داعيا إلى أن لا يقدم على القتل فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم بعضا . وكان ارتفاع القتل حياة لهم ، وقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى وهو قولهم : القتل أنفى للقتل بعشرين وجها أو أكثر ، وأنكر ابن الأثير هذا التفضيل وقال : لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق ، وأمثال ذلك من الآيات الجامعة في القرآن كثيرة وفيما ذكرناه كفاية .