إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 155
ومنها : الايجاز بالحذف والإضمار كقوله تعالى : وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا شاهده من الأسباب والقرائن فلا شك فيه ، فحينئذ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة ، فإن أمكن الجمع فذلك ، وإن تعذر قدم ابن عباس لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم دعا له فيه ، وأما ما ورد عن التابعين فكذلك وإلّا وجب الاجتهاد ، وأما ما لم يرد فيه نقل فقليل وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى المفردات من تلك الألفاظ ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق . فصل في غرائب التفسير التي لا يحل الاعتماد عليها ولا تذكر إلا للتحذير منها : من ذلك قول من قال في حم عسق إن الحاء حرب على معاوية ، والميم ولاية المروانية ، والعين ولاية العباسية ، والسين ولاية السفيانية ، والقاف قدوة مهدي . وحكاه أبو مسلم . ومن ذلك قول من قال : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ [ البقرة : 179 ] إنه قصص القرآن ، واستدل بقراءة أبي الجوزاء بضم القاف وهو بعيد ، ومن ذلك ما ذكره ابن فورك في قوله : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة : 260 ] ان إبراهيم عليه السلام كان له صديق وصفه بأنه قلبه أي ليسكن هذا الصديق إلى هذه المشاهدة إذا رآها عيانا ، وهذا بعيد أيضا ، ومن ذلك قول من قال في قوله : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [ البقرة : 286 ] إنه الحب والعشق ، وقد حكاه الكواشي في تفسيره ، ومن ذلك قول من قال : وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ [ الفلق : 3 ] إنه الذكر إذا قام ، وقد ذكره صاحب القاموس . ومن ذلك قول أبي معاذ النحوي في قوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ يعني إبراهيم ناراً أي نورا وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [ يس : 80 ] أي تقتبسون ومن ذلك ما سبق من قول الرافضة في قوله : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ انهما علي وفاطمة و اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ هما الحسن والحسين . وما أشبه ذلك من التفاسير المنكرة التي لا يحل الاعتماد عليها . ولنرجع إلى شرح كلام المصنف رحمه اللّه تعالى ، ( ولا بدّ فيه من استتباع فنون كثيرة . منها : الايجاز ) وهو من أعظم أنواع البلاغة حتى نقل صاحب سر الفصاحة عن بعضهم أنه قال : البلاغة هي الإيجاز والاطناب ، ثم أن الإيجاز والاختصار بمعنى واحد كما يؤخذ من المفتاح ، وصرح به الطيبي ، وقال بعضهم : الاختصار خاص بالجمل فقط بخلاف الايجاز ورده صاحب عروس الأفراح ، والايجاز قسمان ايجاز قصر وإيجاز حذف ، وإلى الثاني أشار المصنف بقوله : ( بالحذف والإضمار ) والأوّل هو الوجيز بلفظه الطويل بمعناه ، وقال بعضهم : هو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر المعهود عادة وسبب حسنه أنه يدل على التمكن من الفصاحة ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أوتيت جوامع الكلم » وقال الطيبي في التبيان : الايجاز الخالي من الحذف ثلاثة أقسام .