إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 153
وقال البغوي والكواشي وغيرهما : التأويل صرف الآية إلى معنى يوافق ما قبلها وما بعدها تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنّة من طريق الاستنباط غير محظور على العلماء بالتفسير كقوله تعالى : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [ التوبة : 41 ] قيل شبابا وشيوخا . وقيل : أغنياء وفقراء ، وقيل : عزابا ومتأهلين ، وقيل نشاطا وغير نشاط ، وقيل أصحاء ومرضى . وكل ذلك سائغ والآية محتملة . وأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور لأنه تأويل الجاهلين مثل تأويل الروافض : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ [ الرحمن : 19 ] إنهما علي وفاطمة يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [ الرحمن : 22 ] يعني الحسن والحسين . فصل في بيان العلوم التي يحتاج المفسر إلى تفسيره : وهي خمسة عشر علما : أحدها : اللغة لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ بحسب الوضع . قال مجاهد : لا يحل لأحد يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب اللّه إذا لم يكن عالما بلغات العرب ، ولا يكفي في حقه معرفة اليسير منها ، فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين ، والمراد الآخر . الثاني : النحو لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الاعراب ، فلا بدّ من اعتباره . روى أبو عبيد عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق ويقوّم بها قراءته فقال : حسن فتعلمها فإن الرجل يقرأ الآية فيبغي توجيهها فيهلك فيها . الثالث : التصريف لأن به تعرف الأبنية والصيغ . قال ابن فارس : ومن فاته علمه فاته المعظم ، وقال الزمخشري : من بدع التفاسير قول من قال إن الإمام في قوله تعالى : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [ الاسراء : 71 ] جمع « أم » وإن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم . قال : وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف فإن أما لا يجمع على إمام . الرابع : الاشتقاق لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما ، كالمسيح هل هو من المساحة أو من المسح . الخامس والسادس والسابع : المعاني والبيان والبديع لأنه يعرف بالأول تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى ، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها ، وبالثالث وجوه تحسين الكلام : وهذه العلوم الثلاثة من علوم البلاغة وهي من أعظم أركان المفسر لأنه لا بدّ له من مراعاة ما يقتضيه الاعجاز وإنما يدرك بهذه العلوم . الثامن : علم القراءات لأنه به يعرف كيفية النطق بالقرآن ، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض .