تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
شرح
في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ » رواه أبو داود والترمذي والنسائي ، قال البيهقي : هذا الحديث إن صح واللّه أعلم المراد به الرأي الذي يقلد من غير دليل قام عليه ، وأما الذي يشده برهان فالقول به جائز . وقال في المدخل في هذا الحديث نظر وإن صح ، وإنما أراد به واللّه أعلم فقد أخطأ الطريق فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة . وفي معرفة ناسخه ومنسوخه وسبب نزوله وما يحتاج فيه إلى بيانه إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله ، وأدوا إلينا من السنن ما يكون بيانا لكتاب اللّه فما ورد بيانه من صاحب الشرع ففيه كفاية عن فكرة من بعده وما لم يرد عنه بيانه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده ليستدلوا بما ورد بيانه على ما لم يرد ، وقال قد يكون المراد به من قال فيه برأيه من غير معرفته منه بأصول العلم وفروعه فتكون موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة اه ، كلام الزركشي . وقال الماوردي : الحديث ان صح فتأويله ان من تكلم في القرآن بمجرد رأيه ولم يعرج على سوى لفظه وأصاب الحق فقد أخطأ الطريق وأصابته اتفاق إذ الفرض أنه مجرد رأي لا شاهد له ، وفي الحديث : « القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه » أخرجه أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس فقوله : « ذلول » يحتمل وجهين . أحدهما : أنه مطيع لحامليه تنطق به ألسنتهم ، والثاني : انه يوضح لمعانيه حتى لا تقصر عنه افهام المجتهدين ، وقوله : « ذو وجوه » يحتمل معنيين . أحدهما أن من الناظر ما يحتمل وجوها من التأويل ، والثاني أنه قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحليل والتحريم ، وقوله : « فاحملوه على أحسن وجوهه » يحتمل معنيين أحدهما : الحمل على أحسن معانيه ، والثاني أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص والعفو دون الانتقام ، وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب اللّه ا ه . وقال أبو الليث : النهي إنما انصرف إلى المتشابه منه لا إلى جميعه كما قال تعالى :فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ[ آل عمران : 7 ] لأن القرآن إنما نزل حجة على الخلق فلو لم يجز التفسير لم تكن الحجة بالغة ، فإذا كان كذلك جاز لمن عرف لغات العرب وأسباب النزول أن يفسره ، وأما من لم يعرف وجوه اللغة فلا يجوز أن يفسره إلا بمقدار ما سمع ويكون ذلك على وجه الحكاية لا على وجه التفسير ، ولو أنه يعلم التفسير فأراد أن يستخرج من الآية حكما أو دليلا للحكم فلا بأس به ، ولو قال المراد كذا من غير أن يسمع فيه شيئا فلا يحل وهو الذي نهى عنه . وقال ابن الأنباري في الحديث الأول : حمله بعض أهل العلم على أن الرأي يعني به الهوى فمن قال في القرآن قولا يوافق هواه فلم يأخذ عن أئمة الدين وأصاب فقد أخطأ لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله ، ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه ، وقال في الحديث الثاني وهو الذي أورده المصنف : له معنيان . أحدهما : من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط اللّه ، والثاني : وهو الصحيح « من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوّأ مقعده من النار » .