تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
شرح
وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه ، فهذا موجود كثيرا وللّه الحمد ، وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل ، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ، فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين مثل تفسير عبد الرزاق والفريابي ووكيع وعبد بن حميد وإسحاق بن راهويه وأمثالهم . أحدها : قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها ، والثاني : فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ ان يريده من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به ، فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان ، والآخرون راعوا مجرد اللفظ لذلك المعنى في اللغة غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم وسياق الكلام . ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة كما يغلط في ذلك الذين قبلهم ، كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن ، كما يغلط في ذلك الآخرون وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق . والأولون صنفان : تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به وتارة يحملونه على ما يدل عليه ولم يرد به وفي كلا الأمرين قد يكون ما تعبدوا به نفيه أو اثباته من المعنى باطلا ، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول ، وقد يكون حقا فيكون خطؤهم فيه في الدليل لا في المدلول ، فالذين أخطأوا فيهما مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذاهب باطلة ، وعمدوا إلى القرآن فتأوّلوه على رأيهم وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم ، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذاهبهم مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم ، والجبائي ، وعبد الجبار ، والزمخشري وأمثالهم . ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة يدس البدع في كلامه ، وأكثر الناس لا يعلمون كصاحب الكشاف ونحوه حتى أنه يرفع على خلق كثير من أهل السنة كثيرا من تفاسيرهم الباطلة ، وتفسير ابن عطية وأمثاله اتبع للسنّة وأسلم من البدعة . ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن فإنه كثيرا ما ينقل من تفسير ابن جرير الطبري وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرا ، ثم أنه يدع ما ينقله ابن جرير عن السلف ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين ، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكتاب الذين قرروا أصولهم بطريق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم ، وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه ، فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في الآية تفسير ، وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه ، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين صار مشتركا للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا . وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك بل مبتدعا لأنهم كانوا اعلم به وبتفسيره وبمعانيه ، كما أنهم اعلم بالحق الذي بعث اللّه به رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وأما الذين أخطأوا في الدليل لا في المدلول كمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء يفسرون القرآن بمعان صحيحة في نفسها ، لكن القرآن لا يدل عليها مثل كثير مما ذكره السلمي في الحقائق ، فإن كان فيما ذكروه معان باطلة دخل في القسم الأول واللّه أعلم اه ، كلام ابن تيمية ملخصا وهو