تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
شرح
النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود من عمومه وخصوصه ومثاله ما يقال في قوله تعالى :ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا[ فاطر : 32 ] الآية . فمعلوم ان الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات والمقتصد يتناول فاعل الواجبات ، وتارك المحرمات والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات ، فالمقتصدون أصحاب اليمين والسابقون السابقون أولئك المقربون ، ثم إن كلّا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات كقول القائل السابق الذي يصلي في أول الوقت ، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه ، والظالم لنفسه هو الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار ، أو يقول السابق المحسن بالصدقة ، مع الزكاة ، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط والظالم مانع الزكاة ، وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوّع التفسير تارة لتنوّع الأسماء والصفات ، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى هذا هو الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف ، ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين إما لكونه مشتركا في اللغة كلفظ القسورة الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد ولفظ عسعس الذي يراد به اقبال الليل وادباره وإما لكونه متواطئا في الأصل ، لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشخصين كالضمائر في قوله :ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى[ النجم : 8 ] الآية . ولفظ الفجر والشفع والوتر وليال عشر ، وأشباه ذلك فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف ، وقد لا يجوز ذلك . فالأول : إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة ، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه ، وأما لكون اللفظ متواطئا فيكون عاما ، إذا لم يكن لمخصصه موجب ، فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان في الصنف الثاني . ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافا أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة كما إذا فسر بعضهم بستل بنجس وبعضهم بقرهن لأن كلّا منهما قريب من الآخر ثم قال : والاختلاف في التفسير على نوعين منه ما مستنده النقل فقط ، ومنه ما يعلم بغير ذلك . والمنقول إما عن المعصوم أو غيره ، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره ، ومنه ما لا يمكن ذلك وهذا القسم الذي لا يمكن معرفة صحيحه من سقيمه عامته منها لا فائدة فيه ولا حاجة بنا إلى معرفته وذلك كاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف وفي اسمه . وفي البعض الذي ضرب به القتيل في البقرة ، وفي قدر سفينة نوح وخشبها ، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك . فهذه الأمور طريق العلم بها النقل فما كان منه منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قبل ، وما لا بأن نقل عن أهل الكتاب ككعب ووهب وقف عن تصديقه وتكذيبه ، وكذا ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب ، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض ، وما نقل في ذلك عن الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن التابعين ، لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلّى اللّه عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى ، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب ، وقد نهوا عن تصديقهم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 149 | مرتضى الزبيدي