تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
شرح
وقال الطبري في أوائل تفسيره : من شرط المفسر صحة الاعتقاد أوّلا ولزوم السنة فإن كان معترضا عليه في دينه فلا يؤتمن على اخباره عن أسرار اللّه تعالى لأنه لا يؤمن إن كان متهما بالالحاد أن يبغي الفتنة ويضر الناس بخداعه كدأب الباطنية وغلاة الرافضة ، وإن كان متهما بهوى لم يؤمن أن يحمله الهوى على ما يوافق بدعته كدأب القدرية ، فإن أحدهم يصنف الكتاب في التفسير ومقصوده منه الايضاح فلال المساكن ليصدهم عن اتباع السلف ولزوم طريق الهوى ، ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وعن أصحابه ومن عاصرهم ، وإن تعارضت أقوالهم وأمكن الجمع بينها فعل نحو أن يتكلم مع الصراط المستقيم ، وأقوالهم فيه ترجع إلى شيء واحد فيدخل منها ما يدخل فيه الجميع ، فلا تنافي بين القرآن وطريق الأنبياء وطريق السنة وطريق النبي صلّى اللّه عليه وسلم وطريق أبي بكر وعمر ، فأي هذه الأقوال أفرده كان محسنا ، وإن تعارضت الأدلة في المراد علم أنه قد اشتبه عليه فيؤمن بمراد اللّه منها ، ولا يتهجم على تعيينه ، ثم أنه ينزله منزلة المجمل قبل تفصيله والمتشابه قبل تبيينه ، وتمام هذه الشرائط أن يكون ممتلئا من عدة الاعراب لا يلبس عليه اختلاف وجوه الكلام ، فإنه إذا خرج بالبيان عن وضع اللسان إما حقيقة أو مجازا فتأويله تعطيله . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب ألفه في هذا النوع : يجب أن تعلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بيّن لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه فقوله تعالى :لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[ النحل : 44 ] يتناول هذا وهذا ، وكانوا إذا تعلموا من النبي صلّى اللّه عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل . روي ذلك عن عثمان وابن مسعود رضي اللّه عنهما قالوا فيعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا ولهذا يبقون مدة في حفظ السورة وذلك لأن اللّه تعالى قال :كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ[ ص : 29 ] وقال :أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ[ النساء : 82 ] وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا . وفي التابعين كذلك بالنسبة إلى من بعده ، ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة ، وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال والخلاف بين السلف في التفسير قليل ، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوّع لا اختلاف تضاد وذلك صنفان . أحدهما : أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى كتفسير الصراط المستقيم باتباع القرآن أو بدين الإسلام ، فالقولان يتفقان لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ، ولكن كل منهما انما نبه على وصف غير الوصف الآخر ، وكذلك قول من قال هي السنّة والجماعة ، وقول من قال هي طريق العبودية ، وقول من قال هي طاعة اللّه ورسوله ، وأمثال ذلك فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها كل بصفة من صفاتها . الثاني : أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على