إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 147
من قبل بسط الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها ، وبعضه من قبل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض . وقال الحوبي : علم التفسير عسر يسر ، أما عسره فظاهر من وجوه أظهرها أنه كلام متكلم لم يصل الناس إلى مراده بالسماع منه ولا إمكان للوصول إليه بخلاف الأمثال والأشعار ونحوها ، فإن الإنسان يمكن علمه منه إذا تكلم بأن يسمع منه أو ممن سمع منه ، وأما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا بأنه يسمع من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك متعذر إلا في آيات قلائل ، فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل والحكمة فيه أن اللّه تعالى أراد أن تتفكر عباده في كتابه فلم يأمر نبيه بالتنصيص على المراد في جميع آياته . فصل وأما شرفه ، فقد تقدم بعض الكلام عليه عند قول المصنف في تفسير قوله وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ [ البقرة : 269 ] عن ابن عباس وغيره أنه الفهم في القرآن ، وقيل : قراءة القرآن وتدبره ، وقيل : تفسيره ، وقيل المعرفة به . وروى ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال : ما مررت بآية في كتاب اللّه لا أعرفها ، إلّا أحزنتني لأني سمعت اللّه يقول وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] وأخرج أبو ذر الهروي في فضائل القرآن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهذ الشعر هذا ، وقد أجمع العلماء أن التفسير من فروض الكفاية وأجل العلوم الثلاثة الشرعية ، فإن شرف كل علم إما بشرف موضوعه أو بشرف غرضه أو لشدة الحاجة إليه ، فموضوعه كلام اللّه تعالى ، فأي شرف أشرف منه ، وأما من جهة الغرض فإن الغرض منه الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى ، وأما شدة الحاجة فلأن كل كمال ديني أو دنيوي عاجلي أو آجلي متوقف على العلم بكتاب اللّه تعالى . فصل في معرفة شروط المفسر : قالوا : من أراد تفسير القرآن طلبه أوّلا منه ، فما أجمل منه في مكان ، فقد فسر في موضع آخر . وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر ، فإن أعياه ذلك طلبه من السنّة ، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له ، فإن لم يجده رجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله ، ولما اختصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح .