تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
فأما العلم الحقيقي : الذي هو الكشف والمشاهدة بنور البصيرة فكيف يكون حجابا
شرح
الحقيقي الذي هو ) عبارة عن ( الكشف والمشاهدة بنور البصيرة فكيف يكون حجابا وهو منتهى المطلب ) وغاية المرغب . ونقل الشيخ الأكبر في كتاب الشريعة - في باب الصوم - إن الحق سبحانه لما كان من أسمائه الدهر كما ورد في الصحيح : « لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر » فأمر بتنزيه الزمان من حيثما سمي دهرا لكون الدهر اسما من أسماء اللّه تعالى كما تنزه الحروف أعني حروف الهجاء من حيث إنها كتب بها كلام اللّه تعالى وعظمناها فقال فأجره حتى يسمع كلام اللّه وما سمع إلا أصواتا وحروفا فلما جعلها كلامه أوجب علينا تعظيمها وتقديسها وتنزيهها ، ثم ساق عبارة طويلة ثم قال ما نصه : ولا يحجبنك عن هذا العلم الغريب الذي بيناه لك الرؤيا الشيطانية التي رؤيت في حق أبي حامد الغزالي فحكاها أصحاب علوم الرسوم وذهلوا عن أمر اللّه سبحانه لنبيه في قوله :وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماًلم يقل عملا وحالا ولا شيئا سوى العلم أتراه أمره بأن يطلب الحجاب عن اللّه والبعد منه والصفة الناقصة عن درجة الكمال ، فحكى أصحاب الرسوم عن شخص سموه أنه رأى أبا حامد الغزالي في النوم فقال له أو سأله عن حاله فقال له : لولا هذا العلم الغريب لكنا على خير كثير ، فتأوّلها علماء الرسوم على ما كان عليه أبو حامد من علم هذا الطريق وقصد إبليس بهذا التأويل الذي زين لهم أن يعرضوا عن هذا العلم فيحرموا هذه الدرجات هذا إذا لم يكن لإبليس مدخل في الرؤيا وكانت الرؤيا ملكية ، فإذا كانت الرؤيا من اللّه فالرائي في غير موطن الحس والمرئي ميت ، فهو عند الحق لا في موطن الحس والعلم الذي كان يحرض عليه أبو حامد وأمثاله في أسرار العبادات وغيرها ما هو غريب عن ذلك الموطن الذي الإنسان فيه بعد الموت بل تلك حضرته ، وذلك محله . فلم يبق الغريب عن ذلك الموطن إلا العلم الذي كان يشتغل به في الدنيا من علم الطلاق والنكاح والبيع والشراء والمزارعة وعلوم الأحكام التي تتعلق بالدنيا ليس لها إلى الآخرة تعلق البتة لأنه بالموت يفارقها فهذه علوم غريبة عن موطن الآخرة كالهندسة ، وأمثال هذه العلوم التي لا منفعة لها إلا في الدنيا وإن كان له الأجر فيها من حيث قصده ونيته لا عين العلم ، فإن العلم يتبع معلومه ، ومعلومه هذا كان حكمه في الدنيا لا في الآخرة ، فكأنه يقول له في رؤياه : لو اشتغلنا زمان شغلنا بهذا العلم الغريب عن هذا الموطن بالعلم الذي يليق ويطلب هذا الموضع لكنا على خير كثير ففاتنا من خير هذا الموطن على قدر اشتغالنا بالعلم الذي كان تعلقه بالدار الدنيا ، فهذا تأويل رؤيا الرائي لا ما ذكروه ولو عقلوا لتفطنوا في قوله : العلم الغريب . فلو كان علمه بأسرار العبادة وما يتعلق بالجناب الأخروي لم يكن غريبا لأن ذلك موطنه ، والغربة إنما هو بفراق الوطن ، فثبت ما ذكرناه فإياك أن تحجب عن طلب هذه العلوم الإلهية والأخروية وخذ من علوم الشريعة على قدر ما تمس الحاجة إليه ما يتفرض عليك طلبه وقل رب زدني علما على الدوام دنيا وآخرة اه . وقد تحصل من هذا التقرير أن العلم الذي يكون حجابا بين العبد وربه هو علم المعاملات