للمرآة ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي » . قال الفضيل :
يعني حرموا فهم القرآن . وقد شرط اللّه عز وجل الإنابة في الفهم والتذكير ، فقال
شرح
الشهوات ) وإماتتها وإزالتها ( مثل تصقيل الجلاء للمرآة ) ، والجلاء هو الذي يجلو المرآة ويصقلها .
واعلم أن معاني القرآن كما سبق من عالم الملكوت واللوح المحفوظ الذي نزل منه القرآن من ذلك العالم ، وقلب التالي مثل المرآة واللوح المحفوظ أيضا مثل المرآة لأن صورة كل موجود فيه ، فإذا قابلت المرآة المرآة الأخرى ظهرت صور ما في إحداهما في الأخرى ، وكذلك تظهر صور معاني القرآن في القلب عند مقابلة مرآته بمرآة اللوح المحفوظ إذا كان فارغا عن شهوات الدنيا فإن كان مشغولا بها كان عالم الملكوت محجوبا عنه واللّه أعلم .
( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم ) بالتهافت على تحصيلهما وادخارهما ومنع الانفاق منهما في وجوه القرب ( نزع ) بالبناء للمفعول أي نزع اللّه ( منها هيبة الإسلام ) لأن من شرط الإسلام تسليم النفس للّه عبودية ، فمن عظم الدينار والدرهم أخذتا بقلبه فسبته فصار عبدا لهما ، فلم يقدر على بذل النفس للّه لأنه عبد الدينار والدرهم ، فلا يملك نفسه فيبذلهما في سبيل الخير ، وإذا فسد الباطن ذهبت الهيبة والبهاء لأن الهيبة إنما هي لمن هاب اللّه ولا يجتمع تعظيمهما مع تعظيم الحق في قلب أبدا ، ( وإذا تركوا الأمر بالمعروف ) والنهي عن المنكر ( حرموا بركة الوحي » ) وسيأتي تفسيره من كلام الفضيل .
قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف معضلا من حديث الفضيل بن عياض قال : ذكر عن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلم اه .
قلت : ورواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة بلفظ : « إذا عظمت أمتي الدنيا نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي وإذا تسابت أمتي سقطت من عين اللّه » .
( قال الفضيل ) بن عياض رحمه اللّه في تفسير قوله : « حرموا بركة الوحي » ( يعني حرموا فهم القرآن ) وبيانه أن في ترك الأمر بالمعروف مع القدرة عليه وغلبة ظنه سلامة العاقبة خذلانا للحق وجفوة للدين ، وفي خذلان الحق ذهاب البصيرة وفي جفاء الدين فقد النور فينحجب القلب فيحرم بركته وحرمان بركته أن يقرأه فلا يفهم أسراره ولا يذوق حلاوته ، وهو من أعلم الناس بعلوم العربية وأبصرهم بتفسيره وقد عمي عن زواجره وقوارع وعيده وأمثاله ، وفي هذا المعنى قوله تعالى :سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ[ الأعراف : 146 ] قال سفيان بن عيينة يقول : انزع منهم فهم القرآن أخرجه ابن أبي حاتم .
( وقد شرط اللّه الإنابة في الفهم والتذكير ) ولفظ القوت : وقد اشترط اللّه تعالى الإنابة