بوصف الغنى ، ثم خصص بعض عباده بالحسنى فأفاض عليهم من نعمه ما أيسر به من شاء واستغنى وأحوج إليه من أخفق في رزقه وأكدى إظهارا للامتحان والابتلاء . ثم جعل الزكاة للدين أساسا ومبنى ، وبيّن أن بفضله تزكى من عباده من تزكى ، ومن
شرح
كرمى يرمي لغة في أمنى امناء أراق منيه ، ومعنى تمنى أي تراق وتصب أي في الأرحام وفيه إشعار بأن الذي في يد الإنسان ملك للّه تعالى وهو الموجد وهو الغني ، وكيف يصلح منه أن يدعي ملكا وهو من نطفة مذرة ، أم كيف يفتخر ومعاده إلى جيفة قذرة ، أم كيف يتكبر وهو حامل بينهما عذرة ، فما ملكت يداه هو بتمليك مولاه إياه فمن منع حق اللّه منه فهو الشحيح الذي لا حظّ له في الإسلام ، ( ثم تفرد عن الخلق بوصف الغنى ) فلا تعلق له بغيره لا في ذاته ولا في صفاته بل هو منزه عن العلاقة مع الأغيار ، ولا يتصوّر التفرد بهذا الوصف إلا للّه تعالى ، ومن تعلق ذاته أو صفات ذاته بأمر خارج من ذاته يوقف عليه وجوده وكماله فهو محتاج وفقير إلى الكسب ، ( ثم خصص بعض عباده ) من فائض فضله ( بالحسنى ) تأنيث الأحسن أفعل من الحسن بالضم اسم لكل ملائم للطبع مرغوب فيه مستحسن من جهة الحس والبصيرة ، ومن الحسن كون الشيء صفة كمال كالعلم ، وكون الشيء يتعلق به المدح كالعبادة والحسن لمعنى في نفسه ما اتصف بالحسن لمعنى ثبت في ذاته كالإيمان باللّه وصفاته ، والحسن لمعنى في غيره ما اتصف بالحسن لمعنى ثبت في غيره كإخراج المال ، فإنه لا يحسن لذاته لأنه تنقيص الأموال ، وإنما حسن لما فيه من النماء والتطهير وليحصل التعاون بتحقيق مصداق قوله صلى اللّه عليه وسلم « المؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » . ( فأفاض عليه ) أي منحه منحا متتابعا مفاضا إفاضة السيل إذا أخذ من كل جانب ، وبملاحظة هذا العموم قيل : اتق شر الأعميين السيل والليل . ( ومن نعمه ) المتوالية المتتابعة ( ما أيسر به ) أي صار ذا يسار ، ( واستغنى ) أي صار متصفا بالغنى بإغناء اللّه إياه وامداده له في كل ما يحتاجه وإليه والذي يحتاج ومعه ما يحتاج إليه فهو مستغن في الجملة ، وانما قلنا ذلك لأن التفرد بوصف الغنى مطلقا ليس إلا للّه تعالى ، ويحتمل أن يكون السين في استغنى للوجدان ، والمعنى من أفاض اللّه عليه من المعارف والكمالات وجد سر الغنى في قلبه وانقطعت حاجته عما سوى الحق تعالى ، فكان عبدا باللّه للّه ، ( وأحوج إليه ) أي إلى بعض العباد المفاض عليه ( من أخفق في رزقه ) أي خاب سعيه فيه أي في تحصيله ، وأصل الخفق الحركة والاضطراب والهمزة للسلب والإزالة ، ( وأكدى ) أي تعب وأصله من أكدى الحافر إذا وصل إلى الكدية بالضم وهي الأرض الصلبة ، وبه سمي السائل الملحّ مكديا وحرفته الكدية ( إظهارا للامتحان والابتلاء ) وكلاهما الاختبار البليغ والبلاء الجهيد ، وسميت الدنيا دارا لهما لما فيها كل ذلك ، ( ثم جعل الزكاة للدين ) أي لقواعده ( أساسا ومبنى ) أي كالأساس الذي يبنى عليه ، ( وبيّن ) أي أظهر ( ان بفضله تزكى من عباده من تزكى ) أي تطهر من تطهر من الكبر والمعصية ، وبه فسر قوله تعالى :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى[ الأعلى : 14 ] ( وبغناه ) وفي بعض النسخ ومن غناه ، والضميران يعودان إلى اللّه تعالى ( زكى ماله من زكى ) وذلك لأن