شرح
الضرب أيضا لا يستغنى فيه عن الجد ، فحظ الجد في المال أكثر من حظ الكد بخلاف الأخلاق والأعمال الآخروية التي حظ الكد فيها أكثر ، وقد نبه اللّه سبحانه على ذلك بقوله :مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُالآية إلى قولهمَشْكُوراً[ الاسراء :
18 ، 19 ] فاشترط في العاجلة مشيئته للمعطي وإرادته للمعطى له ، ولم يشترط السعي ، واشترط في الآخرة السعي لها مع الإيمان ولم يشترط إرادته تعالى ومشيئته ، ولو كان ذلك لا يعرى منهما فحق العاقل أن يعنى بما إذا طلبه ناله ، وإذا ناله لم يخف زواله ويقلل المبالاة بما إذا قدر له أتاه طلبه أو لم يطلبه .
الرابعة : في سبب إخفاق العاقل وإنجاح الجاهل . اعلم أن الحكمة تقتضي أن يكون العاقل الحكيم في أكثر الأحوال مقللا ، وذلك لأنه يأخذ كما يحب من الوجه الذي يحب ثم إذا ناله لم يدخره عن مكرمة تعن له ، والجاهل يسهل عليه الجمع من حيث لا يبالي فيما يتناوله بارتكاب محظور واستباحة محجور واستنزال الناس عنها بالمكر ومساعدتهم على ارتكاب الشر طمعا في نفعهم ، وكثيرا ما ترى من هو من جملة الموصوفين بقوله تعالى :فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ[ البقرة : 200 ] شاكين لخبثهم ، فبعض يغضب على الفلك ، وبعض يغضب على القدر ، وبعض يتجاوز الأسباب فيعاتب اللّه وذلك لحرصهم على ارتكاب المقابح وجهلهم بما يقيض اللّه لعباده من المصالح .
الخامسة : اعلم أن اللّه تعالى أوجد أعراض الدنيا بلغة فاتخذها الناس عقدة وصيّر الدنيا مرتحلا وممرا فصيروها موطنا ومقرا ، ومن وجه منحة منحت للانسان لينتفع بها مدة ويذرها لينتفع بها غيره من بعده ، ومن وجه وديعة في يدها رخص له استعمالها والانتفاع بها بعد أن لا يسرف فيها ، لكن الإنسان لجهله ونسيانه لما عهد إليه اغترّ بها وظن أن جعلت له هبة مؤبدة فركن إليها واعتمد عليها ولم يؤد أمانة اللّه فيها لما طولب بردها تضرر منه وضجر ، فلم ينزع عنها إلا بنزع روحه أو كسر يده وبعضهم وهم الأقلون حفظوا ما عهد إليهم فتناولوها تناول العارية والمنحة والوديعة فأدوا فيها الأمانة ، وعلموا أنها مسترجعة ، فلما استردت منهم لم يغضبوا ولم يجزعوا وردوها شاكرين لما نالوه ومشكورين لأداء الأمانة فيها ، وقد ذكر بعض الحكماء مثلا فقال : إن مثل الدنيا فيما أعطوه من أعراض الدنيا مثل رجل دعا قوما إلى داره ، فاخذ طبق ذهب عليه بخور ورياحين ، وكان إذا دخل أحدهم تلقاه به ورفعه إليه لا ليتملكه بل ليشمه ويدفعه إلى من يجيء بعده ، فمن كان جاهلا برسومه ظن أنه قد وهب له فيضجر إذا استرجع منه ، ومن كان عارفا برسومه أخذه بشكر ورده بانشراح صدر .
السادسة : في عقوبة مانع الزكاة . اعلم أن للّه عز وجل عقوبتين في معاقبة من تناول ما لا يجوز له تناوله من الدنيا ، أو يتناوله من الوجه الذي يجوز لكنه لم يوف حقه إحداهما : ظاهرة وذلك عقوبة من منع حق اللّه من الزكاة أو غصب مالا مجاهرة أو سرقه خفية ، فإن عقوبات