تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
الحمد للّه الذي أسعد وأشقى وأمات وأحيا ، وأضحك وأبكى ، وأوجد وأفنى ، وأفقر وأغنى ، وأضر وأقنى ، الذي خلق الحيوان من نطفة تمنى ، ثم تفرد عن الخلق
شرح
وشأن عظيم تعين قراءة باسم اللّه المفيض لأنواع الخيرات ، الرحمن بعباده بإدرار الأرزاق من السماوات ، الرحيم بهم بتزكيتهم عن الذنوب والمعاصي والزلات ، ثم أردف ذلك بما افتتح اللّه سبحانه كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . ( الحمد للّه ) ، وهو الثناء على اللّه على أفعاله فهي جميلة ، والشكر على نعمائه فهي جزيلة ، والرضا بأقضيته فهي حميدة ، والمدح بكل صفاته فهي جليلة ، والحمد بهذه المعاني الأربعة منقول عن السلف الصالح ذكره الامام نجم الدين النسفي رحمه اللّه تعالى ، ولما كان الرضا بما قضاه وقدره من جملة ما تضمنه لفظ الحمد أشار إلى ذلك مع نوع من براعة الاستهلال بقوله : ( الذي أسعد واشقى ) يقال : سعد فلان يسعد من باب علم سعدا في دين أو دنيا فهو سعيد وأسعده اللّه فهو مسعد ، ولاحظ المصنف هنا من السعادة كثرة المال وهو إطلاق صحيح مشهور مراعاة لبراعة الاستهلال ، واشقى ضده وقد شقي شقا وشقاء ، ومن شقاوة الدنيا قلة اليسار وكثرة العيال . ( وأمات وأحيا ) يحتمل أن يكون المراد به الإماتة والإحياء على ظاهرهما ، أو أن المراد بذلك إماتة القلوب بظلام الغفلات فهو دائما في الكد بتحصيل ما ضمن له اللّه ، وأحياها بأنوار المعارف وأنواع الكمالات فهو غني النفس عما في أيدي الناس لا يعتريه في شهوده نقص ولا إلباس . ( وأضحك وأبكى ) الضحك لا يكون إلا عن سرور ، والسرور أنموذج الجمال ولا يتم الجمال إلا بالمال ، ونظر المتنبي إلى هذه فقال :فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله * ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجدهفصاحب المال أبدا ضاحك مسرور . والبكاء ضده وينشأ عن حزن والحزن ينشأ من قلة ذات اليد ، فترى صاحبه أبدا ذليلا باكيا حيرانا . دخل أصحاب محمد بن سوقة عليه وهو يعجن ويبكي ويقول : لما قلّ مالي جفاني اخواني . ( وأوجد وأفنى ) الإيجاد هو أن يخلق شيئا لم يكن موجودا ، والإفناء إعدامه بعد أن كان . هذا هو الظاهر من معناه ، ويحتمل أن يكون من أوجده خلق فيه جدة أو جعله ذا جدة أي سعة ، وأفناه سلب عنه ذلك وهذا المعنى هو الأنسب لبراعة الاستهلال . ( وافقر واغنى ) أي جعل من شاء فقيرا لا يملك شيئا ، وجعل من شاء غنيا مظهرا لآثار نعمه ، ( وأصر ) أي منع وفي بعض النسخ : أضر ( واقنى ) أي أعطى وأرضى من قنوت الشيء أقنوه قنوا من باب قتل ، وقنوة بالكسر واقتنيه اتخذه لنفسي قنية أي ملكا لا للتجارة هكذا قيدوه . وقال ابن السكيت : قنوت الغنم أقنوها وقنيتها أقنيها اتخذتها للقنية ، وهو مال قنية وقنوة وقنيان وقنوان بالكسر والضم ، واقناه أعطاه وأرضاه . ( الذي خلق الحيوان ) وهو كل ذي قوة حساسة ناطقا كان أو غير ناطق مأخوذ من الحياة يستوي فيه الواحد والجمع ، لأنه مصدر في الأصل ( من نطفة ) هي بضم النون الماء الصافي قلّ أو كثر ، ويطلق على ماء الذكر والأنثى على التشبيه لأنها صافية لتولدها من خالص الغذاء ( إذا تمنى ) يقال : منى الرجل يمنى