بسم الله الرحمن الرحيم
شرح
ذلك ظاهرة أمر السلطان بإقامتها ، والثانية : خفية عن البصر مدركة ببصائر أولي الألباب كعقوبة من تناول مالا من حيث لا يجوز تناوله ، أو منعه من حيث لا يجوز منعه لا على وجه فيه حد أمر السلطان بإقامته ، فهذا عقوبته ما روي : أي أمرىء سكن قلبه حب الدنيا بلي بثلاث :
شغل لا يبلغ مداه ، وفقر لا يدرك غناه ، وأمل لا يدرك منتهاه . وما روي : من كانت الدنيا أكبر همه شتت اللّه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يبال اللّه بأي واد من الدنيا هلك ، وعلى ذلك قوله تعالى :وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى[ طه : 124 ] وليس يعني قلة المعيشة ، وإنما يعني ما يقاسي فيها من الغموم والهموم التي تكدر العيش عليه .
السابعة : قول المصنف : كتاب أسرار الزكاة مشعر بربط الحكم المشروع بالاعتبار الباطني لكمال الثناء ، وكذا الحال فيما سبق آنفا كتاب أسرار الطهارة كتاب أسرار الصلاة ، وفيما يجيء بعد كتاب أسرار الصيام كتاب أسرار الحج ، فإنه ما يظهر في العالم صورة من أحد من خلق اللّه بأي سبب ظهرت من أشكال وغيرها إلّا ولتلك العين الحادثة في الحس روح يصحب تلك الصورة والشكل الذي ظهر ، فإن اللّه هو الموجد على الحقيقة لتلك الصورة بنيابة كون من أكوانه من ملك أو جن أو أنس أو حيوان أو نبات أو جماد ، وهذه هي الأسباب كلها لوجود تلك الصورة في الحس ، فلما علمنا أن اللّه قد ربط بكل صورة حسية روحا معنويا بتوجه إلهي عن حكم اسم رباني لهذا اعتبرنا خطاب الشارع في الباطن على حكم ما هو في الظاهر قدما بقدم ، لأن الظاهر منه صورته الحسية والروح الإلهي المعنوي في تلك الصورة هو الذي نسميه الاعتبار في الباطن من عبرت الوادي إذا جزته ، وهو قوله تعالى :إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ[ آل عمران : 13 ] . وقال تعالى :فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ[ الحشر : 2 ] أي جوزوا مما رأيتموه من الصور بأبصاركم إلى ما تعطيه تلك الصور من المعاني والأرواح في بواطنكم فتدركونها ببصائركم ، فأمر وحث على الاعتبار .
قال الشيخ الأكبر قدس سره : هذا باب أغفله العلماء ولا سيما أهل الجمود على الظاهر ، فليس عندهم من الاعتبار إلا التعجب ، فلا فرق بين عقولهم وعقول الصبيان الصغار ، فهؤلاء ما عبروا قط من تلك الصورة الظاهرة كما أمرهم اللّه ، واللّه يرزقنا الإصابة في النطق والاخبار عما استهديناه وعلمناه من الحق علم كشف وشهود وذوق ، فإن العبارة عن ذلك فتح من اللّه لتأتي بحكم المطابقة ، وكم من شخص لا يقدر أن يعبر عما في نفسه ، وكم من شخص تفسد عبارته صحة ما في نفسه واللّه الموفق لا ربّ غيره ، وهذا أوان الشروع لحل ألفاظ الكتاب ، بعون الملك الوهاب .
قال المصنف رحمه اللّه تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم إذ كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم اللّه فهو ممحوق البركة ، ولما كان كتاب الزكاة ومعرفة أسرارها من مهمات الدين ولها وقع في النفوس