وإيتاء الزكاة » وشدد الوعيد على المقصرين فيها فقال :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ التوبة : 34 ] ، ومعنى الانفاق في سبيل
شرح
وقال الجلال الخبازي من أصحابنا في حواشي شرح الهداية ما نصه : الزكاة فرض لأنه ثبت بدليل مقطوع به ، وهو قوله تعالىوَآتُوا الزَّكاةَغير أنه مجمل والحكم فيه أنه يتوقف فيه مع الإيمان ان ما أراد اللّه تعالى حق ، واللّه تعالى فوض البيان إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بقوله :وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[ النحل : 44 ] والنبي صلّى اللّه عليه وسلم بين بقوله : « يا علي ليس عليك في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين مثقالا » فيكون أصل الزكاة ثابتا بكتاب اللّه تعالى ووصفها ثابتا بالحديث . فإطلاق من أطلق لفظ الوجوب باعتبار أن وصفه ثبت بالحديث اه .
قلت : وفي سنن أبي داود عن حبيب المالكي قال : قال رجل لعمران بن حصين : يا أبا نجيد إنكم لتحدثونا بأحاديث ما نجد لها أصلا في القرآن ، فغضب عمران وقال للرجل أوجدتم في كتاب اللّه في كل أربعين درهما درهم ، وفي كل كذا وكذا شاة شاة ، وفي كذا وكذا بعيرا كذا وكذا أوجدتم هذا في القرآن ؟ قال : لا . قال : فعمن أخذتم هذا أخذتموه عنا وأخذناه عن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وذكر أشياء نحو هذا .
( وشدّد الوعيد على المقصرين فيها ) أي في إيتائها ، والوعيد يستعمل في الشر خاصة ، وقد أوعد إيعادا كما أن الوعد يستعمل في الخير خاصة ، وإليه يشير قول الشاعر :واني وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي( فقال تعالى :وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ )أي يجمعون ويخزنون( الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ )سواء كانا في باطن الأرض أو ظاهرها( وَلا يُنْفِقُونَها )الضمير للكنوز الدال عليها يكنزون أو للأموال ، فإن الحكم عام وتخصيصهما بالذكر لأنهما قانون التموّل ، أو للفضة لأنها أقرب . ويدل على أن حكم الذهب كذلك بطريق الأولى( فِي سَبِيلِ اللَّهِ )المراد به المعنى الأعظم لا خصوص أحد السهام الثمانية ، وإلّا ترجح بالصرف إليه بمقتضى هذه الآية « فبشرهم بعذاب أليم » هذا من باب التهكم ، والعذاب مجمل بينه بقوله :يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ[ التوبة : 35 ] الآية والكنز : لغة جمع المال بعضه على بعض وادخاره ، وقيل : المال المدفون . وقد صار في الشرع صفة لكل مال لم يخرج منه الواجب وإن لم يكن مدفونا . هذا حاصل ما قاله أئمة اللغة ، ففي النهاية هو في الأصل المال المدفون تحت الأرض ، فإذا خرج منه الواجب لم يبق كنزا وإن كان مكنوزا قال وهو حكم شرعي تجوّز فيه عن الأصل اه .
وقال ابن عبد البر : أما قوله تعالى :وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَوما في معناه ، فالجمهور على أنه ما لم تؤد زكاته وعليه جماعة فقهاء الأمصار ، ثم ذكر عن عمر ، وابنه عبد اللّه ، وجابر بن عبد اللّه ، وابن مسعود ، وابن عباس ، ثم استشهد لذلك بما رواه عن أم سلمة قالت :
كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت يا رسول اللّه : أكنز هو ؟ قال « ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز » قال : وفي اسناده مقال .