تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 778

مساهمون:

ص٧٧٨
أبي سليمان أنه قال : حج أويس القرني رضي اللّه عنه ودخل المدينة ، فلما وقف على باب المسجد قيل له : هذا قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم فغشي عليه ، فلما أفاق قال : أخرجوني فليس يلذ لي بلد فيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم مدفون . وأما زيارة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : فينبغي أن تقف بين يديه كما وصفنا وتزوره ميتا كما تزوره حيا ولا تقرب من قبره إلا كما كنت تقرب من شخصه الكريم لو كان حيا ، وكما كنت ترى الحرمة في أن لا تمس شخصه ولا تقبله بل تقف من بعد ماثلا بين يديه فكذلك فافعل فإن المس والتقبيل للمشاهدة عادة النصارى واليهود . واعلم أنه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك وأنه يبلغه سلامك وصلاتك ، فمثل صورته الكريمة في
شرح
( وما أجدر هذا المكان بأن يستدعي الخشوع من قلب كل مؤمن ) والدموع من عينه ، ( كما حكي عن أبي سليمان ) الداراني رحمه اللّه ( أنه قال : حج أويس ) بن عامر ( القرني ) بالتحريك نسبة إلى بطن من مراد ، ( ودخل المدينة ) زائرا ( فلما وقف على باب المسجد قيل : إن هذا قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم فغشي عليه ، فلما أفاق قال : أخرجوني فليس يلذ لي بلد فيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم مدفون ) . وكان أويس من المستغرقين في حبه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأخباره في ذلك مشهورة وترجمته واسعة ، وقد أورد قصة اجتماعه بعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مسلم في أواخر صحيحه . ( وأما زيارة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : فينبغي أن تقف بين يديه كما وصفنا ) آنفا ( وتزوره ميتا كما تزوره حيا ) بكمال الاحترام والأدب التام والخشوع والخضوع ، ( ولا تقرب من قبره ) الشريف ( إلا كما كنت تقرب من شخصه الكريم لو كان حيا ) وقد تقدم أن الأولى أن يكون بينه وبين القبر الشريف نحو أربعة أذرع ، ( وكما كنت ترى الحرمة ) أي الاحترام ( في أن لا تمس شخصه ولا تقبله بل تقف من بعيد ) على قدر مقامك منه ( ماثلا بين يديه فكذلك فافعل بجدار قبره ) الشريف . ولقد حكي عن الإمام النووي رحمه اللّه تعالى : أنه لما أتى إلى مصر لزيارة قبر الشافعي رضي اللّه عنه وقف عند باب القرافة من بعيد ونزل عن الجمل ، وذلك بحيث يرى القبة الشريفة وسلم عليه فقيل له : ألا تتقدم فقال : لو كان الشافعي حيا ما كان مقامي أن أتقرب منه إلا على هذا من المسافة أو كما قال ، فهذه ملاحظة العارفين في حق أحبار هذه الأمة ، فكيف به صلّى اللّه عليه وسلم ؟ . ولا تنظر ما أكب عليه العامة الآن وقبل الآن من رفع أصواتهم عند دخولهم للزيارة وتراميهم على شباك الحجرة الشريفة وتقبيلهم إياه ، ( فإن المس والتقبيل للمشاهد من عادة النصارى واليهود ) وقد ورد النهي عن ذلك فليحذر منه . ( ثم اعلم ) وتحقق ( أنه صلّى اللّه عليه وسلم عالم بحضورك ) بين يديه ( وقيامك ولزيارتك ) له ( وانه يبلغه سلامك وصلاتك ) وهداياك ، ( فمثّل صورته الكريمة في خيالك ) بما كان عليها في
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 778 | مرتضى الزبيدي